في مشهد يعكس حجم الغضب المتصاعد داخل الأوساط النقابية والتعليمية الفلسطينية، عقد أربعة من المعلمين الفلسطينيين المفصولين من عملهم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” مؤتمرًا صحفيًا، اليوم الأربعاء، في مقر نقابة الصحافة اللبنانية في بيروت، رفضًا لما وصفوه بـ”القرار التعسفي” الذي طالهم بزعم انتهاك سياسة الحيادية.
المؤتمر شهد حضورًا لافتًا من فعاليات حقوقية ونقابية ورجال دين، وممثلين عن اللجان في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، إلى جانب إعلاميين وصحفيين من مختلف المؤسسات.
قرار مسيّس.. وغياب لمبدأ العدالة
وقال الدكتور محمود الحنفي، مدير مؤسسة “شاهد لحقوق الإنسان (أهلية)، إن “الأونروا أوقفت أربعة من مدرسي اللجنة القطاعية في اتحاد المعلمين بناءً على مزاعم تتعلق بخرق الحيادية، دون تقديم أي أدلة قانونية دامغة على هذه الادعاءات”.
واعتبر الحنفي أن هذا القرار يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ “افتراض البراءة”، وهو من المبادئ الأساسية في القانون الإداري والدولي، موضحًا أن “الفصل قبل إجراء أي تحقيق نزيه يعكس طابعًا عقابيًا واضحًا، ويؤشر إلى قرار سياسي أكثر منه مهني”.
وشدد على أن “استهداف كوادر نقابية يُهدد مستقبل العملية التعليمية داخل مدارس الوكالة، ويُضعف ثقة المجتمع الفلسطيني بالأونروا كمؤسسة أممية يُفترض بها أن تكون إلى جانب حقوق اللاجئين، لا أن تتحول إلى أداة قمع لأنشطتهم النقابية والوطنية”.
وطالب بإعادة المعلمين إلى عملهم فورًا، وضمان حقوقهم الوظيفية الكاملة، ووقف أي ممارسات تعسفية قد تُمارس بحق العاملين لمجرد تعبيرهم عن انتمائهم الوطني أو مشاركتهم في العمل النقابي المشروع.
المعلمون يرفعون الصوت: لا فصل بلا محاسبة عادلة
من جهته، قال المعلم المفصول إبراهيم مرعي، باسم زملائه الأربعة: “نحن هنا اليوم لنكشف حجم الانتهاك الذي تعرّضنا له، ونضع بين أيديكم تساؤلات حول آليات اتخاذ قرار الفصل الذي استند إلى منشورات على فيسبوك، زُعِم أنها تنتهك الحيادية، بينما لم تُقدَّم أي تفسيرات قانونية واضحة لهذا الادعاء”.
ودعا مرعي إلى “فتح تحقيق مستقل ونزيه في ملابسات القضية، مشددًا على ضرورة وضع آلية واضحة لتفسير الحيادية وتدريب الموظفين عليها، بدل أن تُستخدم كأداة فصل تعسفي تستهدف العاملين من أصحاب المواقف الوطنية”.
وفي تصريح خاص لـ”قدس برس” على هامش المؤتمر، قال الشيخ عبد الرحمن شناعة، أحد المشاركين في المؤتمر، إن “قرار فصل المعلمين الأربعة هو قرار جائر وظالم، يستهدف نخبة من الأساتذة المعروفين بنشاطهم النقابي ووطنيّتهم”.
وأضاف شناعة: “هل يُعقل أن يتحوّل الانتماء الوطني إلى تهمة؟! إذا كانت السيدة دوروثي كلاوس، مديرة الأونروا في لبنان، تملك انتماءً لقضية ما، فهل يُحاسب المعلمون فقط لأنهم عبّروا عن تمسكهم بفلسطين؟ هذا الكيل بمكيالين مرفوض جملة وتفصيلًا”.
وأكد أن “القرار يفتقد لأبسط المعايير القانونية والمهنية، إذ لم يُجر أي تحقيق عادل مع الأساتذة، وإنما استند إلى اتهامات مفبركة لا تقوم على دليل، ما يجعل مديرة الأونروا مسؤولة مباشرة عن هذا الإجراء الكيدي العنصري”.
وختم بالقول: “لن يضيع حق وراءه مطالب، والحق لا يموت ولو طال الزمن،وعلى إدارة الأونروا أن تعلم أن هذا القرار لن يمر مرور الكرام، فكرامة المعلم الفلسطيني فوق كل اعتبار”.
وتُعدّ قضية فصل المعلمين الأربعة في لبنان واحدة من أخطر الانتهاكات التي طالت الكوادر التعليمية الفلسطينية العاملة ضمن وكالة “أونروا” في السنوات الأخيرة، لا سيما أن القرار جاء على خلفية اتهامات فضفاضة تتعلق بانتهاك “سياسة الحيادية”، من دون إجراء أي تحقيق شفاف أو تقديم أدلة قانونية واضحة.
وتنص سياسة الحيادية في “أونروا” على ضرورة امتناع الموظفين عن التعبير عن آرائهم السياسية، لا سيما في الفضاء الرقمي، غير أن هذه السياسة كثيرًا ما تُطبَّق بشكل انتقائي، وتُستخدم كأداة لتصفية حسابات مع نشطاء نقابيين ووطنيين فلسطينيين.
وقد رُصِدت في السنوات الأخيرة عشرات الحالات المشابهة، خاصة بعد تصاعد الضغوط الغربية والإسرائيلية على الأونروا لإقصاء الموظفين الذين يُظهرون دعمًا علنيًا للمقاومة الفلسطينية أو يعبرون عن مواقف وطنية تُعدّ “حساسة” وفق تصنيف بعض المانحين، في ظل حملة تحريض ممنهجة تقودها مؤسسات إسرائيلية تستهدف “شيطنة” الأونروا وتقليص دورها
اللافت في قضية لبنان، أن المعلمين الأربعة الذين طالتهم قرارات الفصل هم من أبرز أعضاء اللجنة القطاعية لاتحاد المعلمين، ويمثلون صوتًا نقابيًا مدافعًا عن حقوق الموظفين، ما أثار مخاوف واسعة من أن تكون هذه الإجراءات عقابية وموجّهة ضد النشاط النقابي المشروع.
وتحذر منظمات حقوقية من أن هذا المسار ينذر بتحوّل سياسة “الحيادية” إلى غطاء قانوني لقمع الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والانتماء والعمل النقابي، بما يتناقض مع مبادئ العدالة والإجراءات القانونية الواجبة التي يُفترض بوكالة أممية الالتزام بها.
ويخشى مراقبون أن يؤدي التمادي في هذا النهج إلى تصاعد الاحتقان داخل أوساط العاملين في الأونروا، ويقوّض الثقة الشعبية بهذه المؤسسة التي تمثل الشريان التعليمي والإنساني الأساسي لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY