Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

لماذا يغيب التأثير العربي في دعم القضية الفلسطينية دوليا؟

في ظل تصاعد الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، واستمرار غياب رد عربي دبلوماسي فاعل، تبرز تساؤلات ملحّة حول أسباب غياب الدور الرسمي العربي في المحافل الدولية وضعف أدوات الضغط والتأثير.

ويؤكد باحثون وأكاديميون في حديثهم لـ”قدس برس” أن هذا العجز ليس مؤقتًا أو عرضيًا، بل هو نتيجة طبيعية لغياب منظومة عربية جماعية تعمل برؤية استراتيجية موحّدة، مما أدى إلى تشتت المواقف، والرهانات الخاطئة، والارتباط المفرط بقوى دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

غطاء لجرائم “إسرائيل”

وقال المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز “ريكونسنس” للبحوث والدراسات (مستقل مقره الكويت) عبدالعزيز العنجري، إن “الفيتو الأميركي في مجلس الأمن لم يكن يومًا مجرد أداة تعطيل، بل تحوّل إلى غطاء مستمر لجرائم الاحتلال الإسرائيلي”.

وأوضح العنجري، وهو عضو نادي الصحافة الوطني في واشنطن، أن “الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) أكثر من 45 مرة منذ عام 1948، لإجهاض قرارات تتعلق بإدانة الاستيطان، ووقف العدوان العسكري، وحماية المدنيين الفلسطينيين، والاعتراف بدولة فلسطين، والتحقيق في جرائم الحرب”.

وأضاف في حديث لـ”قدس برس” أن هذا التعطيل المتكرر “جعل مجلس الأمن في حالة عجز وظيفي دائم إزاء كل ما يتعلق بإسرائيل”، معتبرًا أن “هذا العجز ليس عرضيًا، بل جزء من استراتيجية أميركية مدروسة لتعطيل أدوات الشرعية الدولية عندما لا تخدم مصالحها أو مصالح إسرائيل”.

وأشار العنجري إلى أن “غياب اللوبي العربي لا يُعزى إلى نقص المال بل إلى نقص الإرادة والمشروع”، لافتًا إلى أن “المال العربي في غالب الأحيان وُظف للتودد لا للضغط”.

وبيّن أن “ما صُرف على حملات العلاقات العامة والإعلام السياسي العربي كان محدودًا من حيث التوقيت والمضمون، وضعيف الأثر، بينما قامت إسرائيل، على مدار عقود، بتأسيس عشرات مراكز البحوث والمؤسسات القانونية التي تؤثر بعمق في صياغة الخطاب الدولي والقوانين الأممية”.

وأضاف أن “غياب الإعلام السياسي العربي المؤثر باللغات الأجنبية، كالإعلام الناطق بالإنجليزية أو الفرنسية، خلق فراغًا خطيرًا في الساحة الغربية، سارعت إسرائيل واللوبيات الداعمة لها إلى ملئه بكفاءة عالية”.

وتابع العنجري قائلًا: “باختصار، نحن لا نملك لوبيات عربية فاعلة، بل مجرد بعثات دبلوماسية تؤدي الحد الأدنى من المهام، دون رؤية استراتيجية، أو تكامل وظيفي، أو أهداف واضحة محددة تخدم المصالح القومية أو الإنسانية”.

وقال العنجري إن “ما تشهده فلسطين من إبادة جماعية ممنهجة وغير مسبوقة يشكّل فرصة سياسية ضائعة للتراجع عن مسار التطبيع المجاني”، مشيرًا إلى أن “هذه الجرائم البشعة كان ينبغي أن تُحدث تحولًا أخلاقيًا وإنسانيًا في مواقف الأنظمة العربية المُطبّعة”.

وأوضح أن “ما يجري كان يمكن – بل يجب – أن يكون حافزًا لإعادة بناء الثقة بين الأنظمة وشعوبها، وفرصة جادة لمراجعة العلاقات السياسية والتجارية مع إسرائيل، في ظل الانهيار الكامل لمنظومة القيم التي طالما تذرّعت بها الدول الغربية في دفاعها عن الاحتلال”.

ورأى أن “هذه الجرائم تمثل لحظة سياسية فاصلة، كان بالإمكان أن تُستثمر لإعادة النظر في العلاقات السياسية والتجارية مع الاحتلال، إلا أن الفرصة أُهدرت كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل”.

وتساءل العنجري: هل من بين الدول المُطبّعة من يملك الرغبة، أو الجرأة السياسية، لاتخاذ قرار بقطع العلاقات وتحمل تبعاته؟

وختم بالقول: “ما دامت إسرائيل تملك قرار الفيتو الأميركي، وما دام العرب يمتلكون إرادة عدم المواجهة، فإن أي تحرّك دبلوماسي سيبقى حبيس البيانات، يدور في صالات المؤتمرات، دون أثر حقيقي على الأرض”.

غياب منظومة عربية موحدة

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس أمجد شهاب، إن “فشل الدول العربية في التأثير الدبلوماسي يعود بالدرجة الأولى إلى غياب منظومة جماعية متماسكة للعمل السياسي والاقتصادي، يمكن من خلالها تشكيل قوة ضغط حقيقية على الساحة الدولية”.

وأوضح شهاب في حديث لـ”قدس برس” ، أن “هذا الفشل الجماعي ناجم عن انقسامات حادة داخل النظام العربي، حيث تنتمي بعض الدول إلى محاور سياسية متعارضة، فيما تمضي أخرى في مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي دون أي مقابل، ما أدى إلى ضعف في التنسيق وغياب مشروع عربي موحّد في المحافل الدولية”.

وأشار إلى أن “غياب ثقافة العمل الجماعي يُعد من الأسباب البنيوية لهذا الضعف”، مضيفًا أن “الاعتماد المفرط على القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، أسهم في ترسيخ حالة التبعية، حيث تتجنب الدول العربية تحدي السياسات الأمريكية خشية فقدان الحماية والدعم السياسي والأمني”.

وبيّن أن “عمليات التطبيع التي جرت مؤخرًا تمت دون ضمانات واضحة، وفي إطار رهانات خاطئة على دور اللوبي الصهيوني في تحسين صورة العرب لدى الإدارة الأمريكية، وهو ما أدى إلى تقويض أوراق الضغط المتاحة”.

وفي السياق ذاته، لفت شهاب إلى أن “الانقسام الفلسطيني لعب دورًا محوريًا في إضعاف الموقف العربي، حيث استغلته بعض القيادات العربية كذريعة لعدم التدخل، في ظل غياب التمثيل الفلسطيني الموحد، وانعدام خطاب سياسي وإعلامي جامع”.

وأردف أن “هذا الغياب أثّر بشكل مباشر على الموقف العربي، فبات الخطاب الرسمي تقليديًا يفتقر إلى الأهداف السياسية، وغير منسجم مع منطق الدبلوماسية الحديثة أو نظريات السياسة الدولية، وهو ما استغلته إسرائيل لتسويق روايتها في المحافل الغربية”.

وأضاف أن “إسرائيل قدمت نفسها كـ(دولة ديمقراطية) ذات مؤسسات، مما منحها ميزة أمام الرأي العام الغربي، في وقت فشل فيه العرب في إيصال معاناة الفلسطينيين، لا سيما في ظل غياب الطبقة المثقفة المؤثرة، والإعلام الفعّال، والتوغل في المؤسسات الإعلامية الغربية”.

وأكد شهاب أن “الوضع العربي الداخلي، بما يحمله من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، ساهم في تراجع مركزية القضية الفلسطينية”، مشيرًا إلى أن “بعض الأنظمة العربية ترى في (الإسلام السياسي) الذي تمثله حماس والجهاد الإسلامي تهديدًا داخليًا، وتسعى إلى التخلص من هذا النموذج بدلًا من دعمه”.

واعتبر أن “هذا الموقف كان سببًا في حالة الصمت العربي المطبقة إزاء ما يجري في غزة، حيث بلغ العجز مستويات غير مسبوقة منذ تأسيس جامعة الدول العربية، رغم المجازر الإسرائيلية الفاضحة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء”.

وفيما يتعلق بمجلس الأمن، قال شهاب إن “الفيتو الأمريكي شكّل على الدوام عائقًا كبيرًا أمام أي تحرك دولي فاعل لصالح الفلسطينيين”، مشيرًا إلى أن “الولايات المتحدة استخدمت هذا الحق أكثر من 42 مرة لإفشال قرارات تدين الاحتلال”.

لكنه استدرك قائلاً، إن “وجود الفيتو لا يعني غياب البدائل”، مؤكدًا أن “الجمعية العامة للأمم المتحدة تُشكّل ساحة تحرّك مفتوحة يمكن من خلالها تجاوز الفيتو، كما حدث عام 1974 حين تم التصويت على إدانة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا”.

وأشار إلى أن “هناك مساحات واسعة غير مستغلة في العمل القانوني والدبلوماسي، كالمحاكم الدولية والإقليمية والوطنية، والتي يمكن توظيفها في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، إلا أن غياب الرؤية السياسية العربية يقف عائقًا أمام استثمار هذه الأدوات”.

ونوّه إلى “أهمية بناء تحالفات بديلة عن الهيمنة الأمريكية”، مشددًا على أن “هناك قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، إضافة إلى دول في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، يمكن أن تكون شركاء في مشروع دولي داعم للقضية الفلسطينية، لو توفرت الإرادة السياسية العربية”.

وعن مبادرة السلام العربية، قال شهاب إنها “تحولت إلى مجرد بند إنشائي يتكرر في القمم دون مضمون”، مطالبًا بـ”تحويلها إلى ورقة ضغط حقيقية ترتبط بثمن واضح لأي تطبيع أو تعاون مع إسرائيل، مع ضرورة دعمها بآليات تنفيذية واقتصادية وتحركات قانونية وتحالفات دولية”.

وأكد أن هذا المسار “لا يمكن أن ينجح دون توحيد الصف الفلسطيني وتجديد شرعيته”، مشددًا على أن “السلطة الفلسطينية الحالية تفتقر إلى الشرعية الشعبية، ما يضعف قدرتها على قيادة أي مشروع دبلوماسي جامع”.

وفي ختام حديثه، تساءل شهاب: هل يفكّر العرب جديًا في وقف نزيف الكرامة واستعادة حضورهم الدولي؟ مشيرًا إلى أن الدول العربية والإسلامية تمتلك قوة ديموغرافية واقتصادية هائلة يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا على الساحة الدولية، إن هي قررت استثمارها بوعي واستراتيجية موحدة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY