لا تبدو اللقاءات المغلقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس جهاز الموساد مجرد اجتماعات أمنية روتينية، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث داخل إسرائيل عن توسيع نطاق المواجهة مع الخصوم إلى ما وراء ساحات القتال المباشرة.
ويأتي اجتماع نتنياهو مع قيادة الموساد في مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الضغوط السياسية، فيما تظهر إسرائيل استعداداً متزايداً لاستخدام أدواتها الاستخبارية في ملاحقة خصومها، وقد سبق أن ارتبط اسم الموساد بعمليات استهداف خارج إسرائيل، بينما كشفت تقارير سابقة عن خطط إسرائيلية لملاحقة قيادات من حركة “حماس” في دول مختلفة.
أهمية الاجتماع لا تكمن بالضرورة في صدور قرار مباشر بتنفيذ عمليات اغتيال، وإنما في إمكانية أن يكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة تقييم خيارات إسرائيل بعد التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة.
فالموساد يمتلك دوراً أساسياً في جمع المعلومات والعمليات السرية، بينما يملك نتنياهو القرار السياسي النهائي بشأن الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية، وبالتالي فإن اجتماع الطرفين يمكن قراءته باعتباره منصة لمناقشة خيارات متعددة، من بينها الضغط الاستخباري، وتعقب شخصيات تعتبرها إسرائيل تهديداً، وتوسيع نطاق المواجهة خارج مناطق العمليات التقليدية.
وتعزز هذه القراءة حقيقة أن إسرائيل استخدمت خلال الفترة الماضية عمليات استهداف دقيقة في ساحات مختلفة، فيما شهد عام 2026 تصعيداً كبيراً في عملياتها السرية والعسكرية ضد خصومها.
الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر يرى أن اللقاءات المتكررة التي يجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تأتي في سياق مساعيه لإعادة إشعال المنطقة وفتح جبهات متعددة، بما يخدم حساباته السياسية والانتخابية.
وقال أبو قمر لـ”قدس برس”، إن نتنياهو يريد لكل الجبهات أن تشتعل، باعتقاده أن التصعيد في أكثر من اتجاه قد يمنحه أصواتًا انتخابية إضافية ويحسن موقعه في ظل تراجعه في استطلاعات الرأي.
وأضاف أن أفضل توصيف لحالة نتنياهو الحالية هو ما أطلقه عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، حين وصفه بأنه “حيوان جريح يبحث عن أي وسيلة للنجاة”، معتبرًا أن هذا الوصف ينطبق على سلوك نتنياهو في المرحلة الراهنة.
وأكد أن العمليات الخاصة التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة خلال الأيام الماضية لا تنفصل عن هذا السياق، وترتبط بمحاولة نتنياهو صناعة صورة عسكرية وأمنية يمكن أن تعزز حظوظه الانتخابية.
واستدل أبو قمر في حديثه على ذلك بزيارة نتنياهو الأخيرة إلى قطاع غزة، حيث ظهر وهو يتفقد مناطق في شمال القطاع ويستعرض ما يعتبره إنجازًا عسكريًا وسيطرة إسرائيلية على أجزاء واسعة منه، في محاولة لإيصال رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي بأنه ما زال قادرًا على تحقيق إنجازات عسكرية.
أما في الضفة الغربية، فيؤكد أبو قمر أن إجراءات التهويد والاستيطان ومصادرة الأراضي، إلى جانب الخطط والإجراءات المرتبطة بالتهجير، تسير بوتيرة متسارعة، بما يعكس اتساع نطاق السياسة الإسرائيلية على مختلف الجبهات.
وفيما يتعلق بإمكانية تنفيذ عمليات اغتيال خارج الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في ظل الحديث عن دور جهاز الموساد، يقول إن “لا خطوط حمراء أمام نتنياهو في هذه المرحلة”، مشددا على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “يتجاوز الجميع ويبحث عن أي إنجاز يمكن أن يعيد تقديمه للجمهور الإسرائيلي باعتباره القادر وحده على توجيه الضربات في مختلف الاتجاهات”.
وأشار إلى أن نتنياهو اعتاد خلال السنوات الماضية تسويق نفسه للجمهور الإسرائيلي بوصفه الزعيم القادر على حماية إسرائيل وشن عمليات عسكرية وأمنية في أكثر من جبهة، وهو ما يحاول، بحسب أبو قمر، استعادته في المرحلة الحالية.
وأوضح أن نتنياهو يسعى كذلك إلى مخاطبة الجمهور الإسرائيلي اليميني المتطرف من خلال تقديم نفسه باعتباره الزعيم الذي يستطيع تحدي الإدارة الأميركية، مشيرًا إلى أن ما يصفه بمحاولاته الالتفاف على التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإظهار نفسه باعتباره الطرف الأكثر تشددًا في مواجهة الضغوط الخارجية.
ويؤكد أن مجمل هذه المؤشرات تجعل احتمال تنفيذ عمليات اغتيال جديدة قائمًا، قائلًا: “كل الخيارات غير مستبعدة في الفترة المقبلة”.
ويذكّر بأن سياسة الاغتيالات الخارجية ليست جديدة على نتنياهو، مشيرًا إلى اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في العاصمة اللبنانية بيروت في كانون الثاني/يناير 2024، واغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في العاصمة الإيرانية طهران في تموز/يوليو 2024، فضلًا عن عملية استهداف قيادات من حركة “حماس” في العاصمة القطرية الدوحة خلال أيلول/سبتمبر 2025.
ويردف أن هذه السوابق، إلى جانب حالة التصعيد المتزامن في غزة والضفة ومختلف ساحات المنطقة، تجعل من الصعب استبعاد أي خيار أمني أو عسكري خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا رأى نتنياهو أن مثل هذه العمليات قد تخدم أهدافه السياسية والانتخابية.
بدوره، أكد المختص العسكري محمد السكني أن، اجتماع نتنياهو بغوفمان لم يكن عابراً، بل يؤكد أن الموساد قدّم لنتنياهو إلى جانب قيادة الشاباك خططاً لعملياتٍ أمنيةٍ جاهزةٍ للتنفيذ.
وقال السكني إن الهدف من هذا اللقاء إعطاء نتنياهو الضوء الأخضر للجيش لتنفيذ العمليات الأمنية التي عمل عليها الموساد والشاباك، سواء في جمع المعلومات أو تحديد الأهداف.
وأضاف لـ”قدس برس”، أن الاجتماع يمثل “جلسة مصادقة” بين المستوى السياسي والموساد كجهاز استخباري خارجي لا ينفذ عمليات عسكرية كبرى بنفسه، بل يجمع المعلومات، يحدد الأهداف، ويضع الخطة الأمنية الرقمية أو البشرية، ثم يحتاج إلى تفويض سياسي من نتنياهو لتحويل الملف إلى الجيش (أو الوحدات الخاصة) للتنفيذ.
ويرى أن سلوك العدو الميداني يوحي بأنّه انتقل إلى تنفيذ عمليات أمنية خاصة في غزة والضفة الغربية، ومن الممكن أن يمتد هذا السلوك إلى لبنان وإيران.
وأشار الى أن هذه الجلسة تُرجمت ميدانياً في العملية الخاصة التي نفّذها العدو اليوم غرب مدينة غزة، وفي عملية يوم أمس في جنين بالضفة الغربية، وقبلها في مطار أبو الظهور العسكري في سوريا ضد تركيا.
وشدد على أنّ هذا الاجتماع يؤشر إلى بدء مرحلة جديدة من ‘حرب الظل’، وتوجيه ضربات استباقية واغتيالات لشخصيات قيادية؛ بهدف ديمومة الردع الإسرائيلي، وخدمة المستوى السياسي في دعايته الانتخابية، فضلاً عن استنزاف المقاومة والأجهزة الأمنية لنشر الفلتان والفوضى في قطاع غزة، وإحباط أي تحركات تقودها.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY