لم تعد الكتل الإسمنتية الصفراء في شرق قطاع غزة مجرد علامات تُحدد خطوط الانتشار العسكري، بل بات تحريكها مصدرًا متجددًا لقلق السكان الذين يخشون أن يجدوا أنفسهم في اليوم التالي داخل مناطق اقتربت منها القوات الإسرائيلية أو أصبحت ضمن نطاق سيطرتها.
ففي حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، يتكرر المشهد ذاته: تحركات ميدانية، وأصوات قصف وإطلاق نار، وعائلات تجمع ما تستطيع حمله من أمتعة؛ بحثًا عن مكان آخر قد لا يطول بقاؤها فيه.
وتجددت موجة النزوح في أعقاب تحريك القوات الإسرائيلية الكتل الصفراء غربًا في الشجاعية، في خطوة أوردت تقارير ميدانية أنها قرّبت خط الانتشار من شارع صلاح الدين ومناطق سكنية مأهولة.
فعلى الأرض، لا يحتاج النزوح المتكرر إلى دمار جديد في كل مرة؛ إذ يكفي اقتراب العمليات العسكرية أو انتقال الكتل الصفراء إلى محيط مكان الإقامة لتجد العائلات نفسها مضطرة إلى الرحيل؛ خشية أن تصبح محاصرة في منطقة خطرة أو تفقد القدرة على الوصول إلى احتياجاتها الأساسية.
الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أكد أن الاحتلال لم يتوقف منذ بداية الحرب عن السيطرة على المناطق الشرقية لقطاع غزة وما عُرِف لاحقًا بـ “الخط الأصفر”، الذي لا تتوقف فيه عمليات النسف للحظة واحدة.
وقال إبراهيم لـ “قدس برس”، إن السيطرة الإسرائيلية المتواصلة والممتدة في مناطق الشجاعية ورفح وجباليا وبيت لاهيا وغيرها من المناطق التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي، واستمرار تنفيذه احتلالاً عسكرياً وإنشاء الأبراج العالية المنصوب عليها مدافع لإطلاق النار على الفلسطينيين؛ يُعتبر جزءًا من فرض السيادة والاستمرار في تهديد الفلسطينيين في كل لحظة، وفرض السيطرة الأمنية الكاملة على تلك المناطق والتوسع غربًا.
وأضاف أن ما يقوم به الاحتلال في مناطق شرق القطاع يهدف بشكل أساسي للانطلاق في عمليات ضد الفلسطينيين على طول شارع صلاح الدين، أو في المنطقة الجنوبية أو الشمالية.
وأشار إلى أن ما يحدث من تقدم يؤثر بشكل عام على الناس وكيّ الوعي لديهم، وإحساسهم الدائم بالتهديد وبأنهم معرضون للنزوح، ولا سيما القريبين من الخط الأصفر، سواء في منطقة التفاح شرق مدينة غزة وشمالها، أو في منطقة الشجاعية، أو في المناطق الشرقية أيضاً من مدينة خان يونس.
بدوره، يرى الكاتب السياسي محمد بخيت أن التقدم المستمر لقوات الاحتلال الإسرائيلي وإزاحة الخط الأصفر نحو الغرب وتوسيع مساحة السيطرة الإسرائيلية شرق قطاع غزة، له أسباب سياسية وأمنية عملياتية.
وأكد بخيت أنه في عقيدة الاحتلال تُعد السيطرة على الأرض أمرًا أساسيًا؛ من أجل استخدام هذه السيطرة كورقة ضغط على الخصم خلال المفاوضات، كما حدث في سيناء والجولان وجنوب لبنان.
وأضاف في حديثه لـ “قدس برس”، أن السبب الأمني ميدانيٌ عملياتي؛ إذ يريد الاحتلال إزاحة الكتلة البشرية الملتصقة بالخط الأصفر، خشية تنفيذ عمليات تسلل أو هجمات ضد قواته.
وتابع أن الاحتلال يهدف من عمليات التوسعة غربًا إلى إحكام الحصار على المنطقة الغربية من قطاع غزة، وحشر الناس في مساحة ضيقة؛ مما يؤدي إلى تصاعد الأزمات، والضغط على البنية التحتية المتهالكة أصلاً، واستنزاف السكان، الأمر الذي يُثير المشكلات، ويخلق الأزمات، ويُطبِق الحصار عليهم.
وتحوّلت الكتل الإسمنتية المدهونة باللون الأصفر شرقي قطاع غزة من مجرد شواخص عسكرية مؤقتة إلى أداة ميدانية ديناميكية يُعيد عبرها الجيش الإسرائيلي رسم الخريطة الجغرافية والديمغرافية للقطاع، عبر زحفها المتواصل نحو الأحياء السكنية الغربية.
ويُمثل “الخط الأصفر” خط الفصل والانتشار العسكري الذي فرضته قوات الاحتلال عقب تفاهمات وقف إطلاق النار، العام الماضي، حيث تُثبّت جرافات الجيش كتلًا خرسانية ضخمة مرتفعة كل بضعة أمتار، تُرافقها سواتر ترابية وأبراج مراقبة مجهزة بأسلحة الرشاش التلقائي والمسيّرات الذاتية، لإغلاق وتحديد نطاق الحركة البرية.
وكانت الخرائط الأولى التي كُشف عنها عند ترسيم الخط اقتطعت نحو نصف مساحة قطاع غزة تقريبًا (ما بين 53% و58%) من أصل مساحته البالغة 365 كيلومترًا مربعًا. غير أن عمليات النزاح والتقدم الميداني اليومي أدت إلى توسع هذه المساحة تدريجيًا لتلتقم أكثر من ثلثي مساحة القطاع، حاشرةً الملايين من أهاليه في حزام ساحلي ضيق ومتهالك.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY