أعادت الأحداث التي شهدتها بلدة قصرة جنوب نابلس، خلال الأيام الماضية، طرح سؤال قديم متجدد في الضفة الغربية: أين هي “المقاومة الشعبية” التي تقول السلطة الفلسطينية وحركة فتح إنها تمثل خيارها الاستراتيجي لمواجهة الاحتلال والاستيطان؟
ففي الوقت الذي تعرضت فيه عائلات فلسطينية في منطقة “رأس العين” بقصرة للحصار والاعتداءات ومحاولات إخراجها من منازلها، واصل المستوطنون تحركاتهم على الأرض، مدعومين بوجود قوات الاحتلال، بينما لم تظهر، وفق شهادات ناشطين ميدانيين تحدثوا لـ”قدس برس”، تحركات شعبية منظمة أو قيادة ميدانية قادرة على حشد الفلسطينيين والوصول إلى المنطقة المحاصرة.
ويرى ناشطون أن ما جرى في قصرة لم يكشف فقط حجم الخطر الذي يواجه القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات، بل كشف أيضًا، بحسب تقديرهم، هشاشة منظومة المقاومة الشعبية الرسمية، التي تتحدث عنها السلطة الفلسطينية منذ سنوات باعتبارها الخيار الوطني والدولي لمواجهة الاحتلال، من دون أن يرافق ذلك بناء بنية ميدانية قادرة على حماية الفلسطينيين وتعزيز صمودهم في مناطق المواجهة.
مقاومة شعبية بلا فعل ميداني
على مدار سنوات، قدمت السلطة الفلسطينية وحركة فتح “المقاومة الشعبية” باعتبارها الاستراتيجية التي تتبناها القيادة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والاستيطان، خصوصًا في ظل رفضها العمل المسلح.
غير أن التجربة الميدانية في الضفة الغربية أظهرت، وفق ناشطين، فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والممارسة على الأرض.
ويقول ناشطون ميدانيون – بعضهم رفض الكشف عن أسمه خشية الملاحقة – إن المقاومة الشعبية لم تتحول إلى مشروع جماهيري منظم ومستمر، بل بقيت في كثير من الأحيان مرتبطة بفعاليات موسمية واحتجاجات محدودة، سرعان ما تتراجع بعد انتهاء الحدث أو المواجهة.
ويشيرون إلى أن غياب قيادة وطنية موحدة للمقاومة الشعبية، وعدم توفير الحماية والإسناد للمواطنين في المناطق المهددة بالمصادرة والاستيطان، جعلا الفلسطينيين في كثير من قرى الضفة يواجهون المستوطنين بصورة فردية، فيما تتوسع البؤر الاستيطانية تدريجيًا.
ويرى هؤلاء أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب الإمكانات، وإنما بغياب قرار سياسي بتحويل المقاومة الشعبية إلى فعل جماهيري حقيقي، يضم مختلف القوى والفصائل والفعاليات المحلية.
ويذهب ناشطون إلى أن ملاحقة السلطة لنشاطات الفصائل ومنعها من تنظيم فعالياتها في الشارع أضعفا القدرة على تشكيل أطر شعبية قادرة على مواجهة الاستيطان.
وبذلك، وفق هذا التقييم، أصبحت المعادلة أكثر تناقضًا: السلطة لا تقود مقاومة شعبية فعالة، وفي الوقت نفسه لا تترك مساحة كافية للفصائل والقوى الأخرى لبناء مقاومة شعبية مستقلة.
قصرة.. اختبار كشف هشاشة المنظومة
جاءت أحداث قصرة لتقدم نموذجًا واضحًا لهذه الفجوة.
فمنطقة رأس العين، الواقعة على مرتفع استراتيجي في محيط البلدة، تعرضت خلال الأشهر الماضية لمحاولات متكررة من المستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية والسيطرة على الأراضي، قبل أن تتصاعد الأحداث أخيرًا إلى حصار عدد من المنازل الفلسطينية، وقطع الطرق والكهرباء والمياه، ومنع وصول الغذاء والإسعاف.
وفي الوقت الذي وجد فيه سكان المنازل المحاصرة أنفسهم أمام خطر مباشر على حياتهم، اقتصرت قدرة الأهالي على مبادرات محلية محدودة لإيصال بعض المواد الأساسية ومحاولة دعم العائلات.
ويقول ناشطون ميدانيون إن غياب أي تحرك شعبي واسع من مدن وقرى الضفة لنصرة قصرة كان لافتًا، خصوصًا أن البلدة تمثل واحدة من أكثر المناطق تعرضًا للاستيطان والاعتداءات.
ويرى هؤلاء أن السؤال الذي تفرضه قصرة ليس فقط: لماذا هاجم المستوطنون البلدة؟ بل أيضًا: لماذا تُرك أهلها وحدهم في مواجهة الهجوم؟
ويشير ناشطون إلى أن أبناء قصرة والمجالس المحلية يستطيعون تقديم المساعدة ضمن إمكاناتهم، لكنهم لا يستطيعون بمفردهم بناء حركة مقاومة شعبية واسعة قادرة على ردع الاستيطان أو حماية المناطق المهددة.
هيئة الاستيطان.. من المقاومة إلى التوثيق؟
وتزداد المفارقة وضوحًا في حالة “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان”، التي يفترض أن تكون إحدى مؤسسات السلطة الفلسطينية الرئيسية في مواجهة التوسع الاستيطاني.
يقول الناشط منتصر جرّاد إن الهيئة تحولت عمليًا إلى التركيز على التوثيق والرصد، فيما لا يتناسب حجم الإمكانات المتاحة لها مع حجم التحدي الاستيطاني، إذ لا تتجاوز موازنتها، وفق المصدر، نحو 1% من موازنة السلطة الفلسطينية.
وأضاف “بذلك تتحول مواجهة الاستيطان، في كثير من الحالات، إلى عملية تسجيل للأضرار بعد وقوعها: توثيق حرق الأشجار، ومصادرة الأراضي، والاعتداء على السكان، وإقامة البؤر الاستيطانية، بدل امتلاك أدوات ميدانية تمنع وقوع هذه الاعتداءات أو تقلل من آثارها”.
ويشير جرّاد إلى مفارقة أخرى تتمثل في أن مجموعات من المتضامنين الإسرائيليين والأجانب أصبحت في بعض الحالات تصل إلى المناطق الفلسطينية المهددة، وتحاول تقديم الدعم للسكان، في حين تغيب أطر فلسطينية وطنية قادرة على تنظيم تحرك مماثل بصورة مستمرة.
ويعتبر أن استمرار هذه الحالة يعني ترك الفلسطينيين أمام خيارين صعبين: إما مواجهة المستوطنين بصورة فردية، أو انتظار تدخلات محدودة من المؤسسات الرسمية بعد وقوع الاعتداء.
وفي الحالتين، يبقى المستوطن هو الطرف الأكثر قدرة على فرض الوقائع اليومية على الأرض.
تحويل الشعار إلى استراتيجية
من جهته، يقول مسؤول الرصد في مكتب أبحاث الأراضي محمود الصيفي إن “الخروج من هذه الحالة لا يحتاج إلى اختراع استراتيجية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي واضح، ويتمثل ذلك، في تشكيل قيادة وطنية للمقاومة الشعبية تضم مختلف الفصائل والقوى السياسية والمجالس المحلية والفعاليات المجتمعية، وتعمل وفق برنامج موحد لمواجهة الاستيطان وتعزيز صمود السكان”.
كما يتطلب الأمر، – بحسب الصيفي – “فتح المجال أمام مختلف القوى الفلسطينية للعمل الشعبي والميداني، بدل حصر المقاومة الشعبية في إطار رسمي لا يمتلك القدرة على الحشد أو الردع”.
وتكشف قصرة، في هذا السياق، – وفق المسؤول – أن المشكلة لم تعد في غياب شعار “المقاومة الشعبية”، بل في غياب الفعل الذي يحول الشعار إلى واقع، “فبينما تتوسع البؤر الاستيطانية فوق الجبال الفلسطينية، وتُحاصر المنازل وتُغلق الطرق وتُقطع المياه والكهرباء، لا يكفي تسجيل الاعتداءات أو إصدار البيانات”.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY