منذ إعادة تشغيل معبر رفح البري مطلع شباط/فبراير الجاري، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، برزت مشاهد عودة الفلسطينيين إلى قطاع غزة بوصفها حدثاً لافتاً، حمل في طياته أبعاداً إنسانية وسياسية تتجاوز إطار الحركة الطبيعية للمسافرين.
العودة جاءت بعكس التقديرات الإسرائيلية التي افترضت أن حجم الدمار الواسع الناجم عن حرب الإبادة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، سيجعلان خيار البقاء خارج القطاع أكثر جاذبية من العودة إليه. إلا أن المشهد على الأرض عكس معادلة مختلفة.
تزامنت إعادة فتح المعبر مع تقارير عبرية تحدثت عن اشتراطات إسرائيلية تقضي بأن تكون حركة المغادرين من غزة أكبر من حركة العائدين إليها، في سياق تصورات تتعلق بإمكانية تشجيع ما يوصف بـ”الهجرة القسرية”، إضافة إلى اشتراط عدم السماح لمن يغادر القطاع بالعودة مجدداً.
غير أن الواقع الميداني بدا مغايراً لهذه الرهانات، إذ سجّلت حركة العودة حضوراً لافتاً رغم القيود المشددة.
مشاهد على الجانب المصري
على الجانب المصري من المعبر، تصطف عائلات فلسطينية بحقائب محدودة ووجوه أنهكتها الغربة، لكنها تمضي بثبات نحو أحياء تحولت إلى ركام. بعضهم يدرك أن منزله دُمّر بالكامل، وآخرون لا يعلمون ما الذي ينتظرهم، غير أن القاسم المشترك بينهم هو قرار العودة، ولو إلى خيمة فوق أنقاض بيت.
أم سعد، التي أنهت رحلة علاجها في مصر، قالت لـ”قدس برس”: “نعرف أن الحياة في غزة صعبة للغاية، لكن وجودنا هناك أهم من أي شيء آخر. هذه أرضنا ولن نتركها”.
كلماتها تختصر حال آلاف الفلسطينيين الذين سجلوا أسماءهم في قوائم العودة عبر السفارة الفلسطينية في القاهرة، والذين تجاوز عددهم 20 ألفاً، ينتظرون دورهم للعودة رغم إدراكهم لحجم الدمار الذي خلّفه الاحتلال في القطاع.
نقاش إسرائيلي داخلي
في المقابل، أثارت مشاهد العودة نقاشاً داخل الأوساط الإسرائيلية. فقد سلّطت صحيفة /يديعوت أحرونوت/ العبرية الضوء على أصداء فتح المعبر، ونقلت عن المحلل اليميني ميخائيل ميلشتاين أن الأسبوع الأول شكّل “صدمة” لدوائر صنع القرار، إذ بدّد – بحسب تعبيره – الآمال بإمكانية إخلاء غزة أو تفريغها من سكانها تحت وطأة الحرب والضغوط الإنسانية.
وأشار التقرير إلى تنامي الرفض المجتمعي الفلسطيني لأي خطوة تُفهم باعتبارها جزءاً من مخطط للتهجير، لافتاً إلى أن من يُنظر إليه على أنه متعاون مع مثل هذه التصورات يواجه رفضاً واسعاً داخل المجتمع.
كما تناول الجدل الذي أثير في دولة الاحتلال حول قضايا وُصفت بالثانوية، من بينها “اللوغو” الموضوع على أختام المسافرين عبر المعبر، في مؤشر – وفق الصحيفة – على حساسية سياسية مفرطة تجاه رمزية إدارة المعبر والجهة المشرفة عليه.
تمسك بالهوية ورفض “التهجير الناعم”
ويرى مراقبون أن الإصرار على العودة، رغم انعدام مقومات الحياة الأساسية من كهرباء ومياه وخدمات، يعكس تمسكاً عميقاً بالهوية الوطنية ورفضاً عملياً لفكرة “التهجير الناعم”، الذي سعت دولة الاحتلال إلى تكريسه عبر خلق بيئة معيشية طاردة تدفع السكان إلى الرحيل.
بدوره، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم إنّ مشاهد عودة الغزيين تعني أن “العودة إلى الوطن قرار وليست خياراً”، موضحاً أن الغزي يفضّل إعادة بناء حياته من الصفر داخل حدود القطاع مهما بلغت الكلفة.
وأضاف في حديث لـ”قدس برس” أن هذه العودة تضع إسرائيل والمجتمع الدولي أمام حقيقة ثابتة مفادها أن الفلسطيني سيظل متشبثاً بأرضه، وأن أي ترتيبات سياسية أو أمنية لا يمكن فرضها عبر تغيير الوقائع الديموغرافية.
كما اعتبر أن هذه المشاهد تضع الأطراف الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار أمام استحقاق تسريع جهود إعادة الإعمار، وضمان حرية حركة المدنيين، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة من زاوية إنسانية مؤقتة.
وكانت دولة الاحتلال قد أعادت في 2 شباط/فبراير الجاري فتح الجانب الفلسطيني من المعبر بصورة محدودة، بعد سيطرتها عليه منذ أيار/مايو 2024، مع استمرار فرض إجراءات مشددة على حركة العبور.
وأعلن المكتب الحكومي في غزة، في بيان صدر الأربعاء، أن 488 مسافراً فقط من أصل 1800 تمكنوا من عبور معبر رفح ذهاباً وإياباً منذ إعادة فتحه وحتى الثلاثاء، بنسبة التزام إسرائيلية لا تتجاوز 27 في المئة.
وبيّن البيان أن 275 مسافراً غادروا القطاع، مقابل وصول 213 آخرين، فيما رُفض سفر 26 شخصاً إلى مصر خلال الفترة ذاتها، دون توضيح المعايير المعتمدة لتحديد العدد الإجمالي المفترض للمسافرين؟
وارتكبت دولة الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY