يمر اليوم الأحد، 30 آب/ أغسطس 2026، عام كامل على استشهاد الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، المعروف باسم “أبو عبيدة”، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنيًا في حي الرمال غربي مدينة غزة، وفق ما أعلنت كتائب القسام لاحقًا.
وبعد أشهر من التكتم لأسباب أمنية وميدانية، أعلنت كتائب القسام في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025 استشهاده، وكشفت للمرة الأولى عن اسمه وصورته، منهية بذلك أكثر من عقدين بقي خلالهما وجهه مجهولًا، فيما تحول صوته وطلته الملثمة إلى واحدة من أكثر الصور حضورًا في المشهد الفلسطيني خلال سنوات طويلة من الصراع.
لم يكن “أبو عبيدة” مجرد ناطق عسكري يتلو بيانات في أوقات الحرب، بل ارتبط اسمه بمرحلة كاملة من تاريخ المقاومة في قطاع غزة؛ فمع كل جولة تصعيد أو حرب، كان ظهوره المنتظر يحمل بيانات عن سير المعارك، ورسائل إلى الاحتلال، ومواقف موجهة إلى الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي.
من مخيم جباليا إلى الإعلام العسكري
ولد حذيفة الكحلوت في 11 شباط/ فبراير 1985 في المملكة العربية السعودية، لعائلة فلسطينية تعود أصولها إلى قرية نعليا المهجرة عام 1948، قبل أن تستقر في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.
تلقى تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، ونشط خلال دراسته في الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”. وفي عام 2002، أنهى الثانوية العامة من الفرع العلمي بتفوق، ثم بدأ دراسة الهندسة قبل أن ينتقل إلى دراسة أصول الدين.
وحصل لاحقًا على درجة الماجستير في العقيدة من كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية في غزة عام 2013، عن رسالة حملت عنوان “الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام”.
ظهور أول.. وقرار غيّر المسار
مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التحق الكحلوت بصفوف حركة “حماس” وكتائبها العسكرية، وبدأ يتدرج في مهام ميدانية وإعلامية داخل القسام.
لكن نقطة التحول جاءت في أيلول/ سبتمبر أو تشرين الأول/ أكتوبر 2004، خلال عملية “أيام الغضب” التي نفذها الاحتلال شمال قطاع غزة.
عاد الشاب آنذاك من الميدان، قبل أن يتلقى تكليفًا بقراءة بيان عسكري أمام الصحفيين خلال مؤتمر صحفي.
لم يكن يعلم أن ذلك البيان سيكون بداية رحلة استمرت أكثر من عشرين عامًا خلف اللثام.
جلس أمام عشرات الميكروفونات، يخفي وجهه بقناع أسود وتعلو رأسه عصابة خضراء، وقرأ بيان كتائب القسام حول مجريات المعركة وعمليات المقاومة. لم يكن اختياره للمهمة عابرًا؛ فقد لفتت الأنظار قدرته على الحديث، وسلامة لغته العربية، وهدوءه في التعامل مع أسئلة الصحفيين.
ومنذ ذلك الظهور، بدأ اسم “أبو عبيدة” يأخذ طريقه إلى واجهة الإعلام العسكري للقسام.
إعلام المقاومة.. من طابعة وكاميرا واحدة
في السنوات الأولى لعمل الإعلام العسكري، كانت الإمكانات محدودة للغاية؛ طابعة، وجهاز فاكس، وكاميرا واحدة لم تتجاوز كلفتها نحو 600 دولار، كانت تنتقل بين مناطق قطاع غزة لتوثيق العمليات ووصايا منفذيها.
ومع اتساع المواجهة، تطورت المنظومة الإعلامية تدريجيًا، فظهرت كوادر للتصوير والتحرير والإنتاج، وأقسام متخصصة في التوثيق والإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المنصات.
وفي خضم هذا التطور، برز “أبو عبيدة” بوصفه أحد أبرز المسؤولين عن الإعلام العسكري، قبل أن يصبح لاحقًا الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، وواجهة خطابها خلال المواجهات المتعاقبة.
من “الوهم المبدد” إلى صوت الحروب
برز اسم “أبو عبيدة” على نطاق أوسع في حزيران/ يونيو 2006، عندما ظهر معلنًا عن تنفيذ عملية “الوهم المتبدد” التي أسفرت عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
ومع حرب عام 2008، أصبح حضوره أكثر رسوخًا بوصفه الناطق العسكري باسم القسام، قبل أن تتسع دائرة ظهوره خلال حروب 2012 و2014 و2021، وصولًا إلى حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وفي كل محطة، حافظ “أبو عبيدة” على صورته الملثمة، مرتديًا الزي العسكري والكوفية الحمراء، بينما بقي وجهه مجهولًا. ومع مرور السنوات، لم يعد الجمهور ينتظر رؤية وجهه، بل صار ينتظر صوته؛ نبرة الحديث، طريقة الإلقاء، والرسائل التي تحملها بياناته.
الشجاعية.. خطاب تحوّل إلى علامة فارقة
خلال حرب عام 2014، بلغ حضور “أبو عبيدة” مستوى غير مسبوق، خصوصًا بعد إعلانه أسر الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون خلال المعارك في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
ومنذ ذلك الوقت، باتت إطلالاته جزءًا ثابتًا من المشهد الإعلامي خلال الحروب. وفي المقابل، تحولت تصريحاته إلى مادة تحظى بمتابعة واسعة داخل الإعلام الإسرائيلي، الذي أخذ يترقب بياناته ويترجمها ويتابع مضامينها.
ومع اتساع شعبيته، أصبح “أبو عبيدة” هدفًا لحملات التحريض الإسرائيلية، ومحورًا في حرب الرواية بين الاحتلال والمقاومة، فيما حافظ هو على إخفاء هويته ووجهه.
“طوفان الأقصى”.. ذروة الحضور
مع انطلاق معركة “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دخل حضور “أبو عبيدة” مرحلة جديدة.
فخلال أكثر من عامين من الحرب، أصبحت بياناته المصورة من أكثر المواد التي يترقبها الجمهور، خصوصًا في اللحظات التي كانت تشهد عمليات عسكرية نوعية أو تطورات مرتبطة بالأسرى والمحتجزين.
وتناول في خطاباته سير العمليات العسكرية، وخسائر جيش الاحتلال وفق رواية القسام، ومحاولات الوصول إلى الأسرى الإسرائيليين، إلى جانب توجيه رسائل سياسية وإعلامية بشأن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
كما اعتاد إصدار بيانات مقتضبة حول الاعتداءات الإسرائيلية، ملوحًا بالرد، ومخاطبًا في الوقت ذاته الجمهور الفلسطيني والعربي والإسلامي.
صوتٌ يتجاوز حدود غزة
على امتداد سنوات ظهوره، لم يبق “أبو عبيدة” اسمًا مرتبطًا بالإعلام العسكري للقسام وحده، بل أصبح شخصية حاضرة في النقاش العام حول القضية الفلسطينية.
انتشرت مقاطعه على نطاق واسع، وتناقلت الشعوب العربية والإسلامية خطاباته، وظهرت صورته الملثمة في فعاليات ومسيرات داعمة لفلسطين وقطاع غزة، بينما ظل الاحتلال يتابع تصريحاته باعتبارها جزءًا من المشهد الذي يخوضه على المستويين العسكري والإعلامي.
وفي نيسان/ أبريل 2020، أطلقت كتائب القسام قناة عبر تطبيق “تليغرام” حملت اسم “أبو عبيدة – الناطق العسكري باسم كتائب القسام”، لبث بياناته وتصريحاته وخطاباته، وحظيت بمتابعة واسعة.
وهكذا، أصبح اللثام جزءًا من الهوية؛ وجه لا يظهر، وصوت يعرفه الملايين، وشخصية تحولت تدريجيًا من مجرد ناقل لبيانات عسكرية إلى رمز إعلامي للحرب والمواجهة.
الظهور الأخير
في 18 تموز/ يوليو 2025، ظهر “أبو عبيدة” في آخر تسجيل مصور له، متحدثًا عن استمرار المواجهة في قطاع غزة، ومؤكدًا استعداد المقاومة لخوض معركة استنزاف طويلة.
حمل خطابه في ذلك اليوم نبرة امتزج فيها الغضب بالحزن والعتاب، وتحدث عن استمرار استهداف قوات الاحتلال وآلياته، مؤكدًا أن المواجهة المباشرة ستبقى حاضرة في الميدان.
كما وجّه رسائل إلى العالم العربي والإسلامي، منتقدًا ما وصفه بالصمت والعجز إزاء ما يجري في غزة، ومخاطبًا الأنظمة والعلماء والنخب بشأن استمرار الحرب وما خلّفته من مأساة إنسانية.بعد أسابيع، كان مبنى في حي الرمال بمدينة غزة على موعد مع الغارة التي أنهت حياته.
عام على الغياب.. وبقاء الصوت
في 30 آب/ أغسطس 2025، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنيًا في حي الرمال، ما أدى إلى استشهاد “أبو عبيدة” وزوجته وثلاثة من أبنائه، وفق ما أُعلن لاحقًا.
لكن خبر الاستشهاد بقي طي الكتمان لأشهر، قبل أن تكشف كتائب القسام في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025 عن رحيله، وتعلن اسمه الحقيقي وتكشف صورته للمرة الأولى.
وبذلك انتهت رحلة الرجل الذي دخل عالم الإعلام العسكري شابًا في الثامنة عشرة من عمره، يحمل ورقة لقراءة بيان أمام الصحفيين، ثم أمضى أكثر من عقدين خلف اللثام، حتى أصبح صوته مألوفًا لدى جمهور واسع داخل فلسطين وخارجها.
وبعد عام من استشهاده، لا تزال صورة “أبو عبيدة” حاضرة في الذاكرة الفلسطينية؛ ليس باعتبارها صورة رجل ظهر في الحروب فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة، ارتبط خلالها اللثام الأحمر بصوت البيانات، وتحولت الإطلالة القصيرة أمام الكاميرا إلى مشهد كان الملايين ينتظرونه في كل مواجهة.
وفي الذكرى الأولى لاستشهاده، نشرت كتائب القسام عبر منصة “تليغرام” منشورًا تحت وسم “#ناطق_الأمة”، مرفقًا بصورة صُممت فيها الكوفية فوق المثلث الأحمر الذي ارتبط بصور عمليات القسام خلال الحرب الأخيرة، في استعادة رمزية لصوت غاب عن الشاشة، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرة من تابعوا سنوات ظهوره.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY