على باب خيمتها في منطقة المواصي بخان يونس، جنوب قطاع غزة، تحتفظ رغد شيخ العيد بركن صغير تقيم فيه عالمها الفني. تضع طاولة خشبية بسيطة، وتسند عليها لوحات رسمتها بوجع التجربة، فكل لوحة تنقل واقعًا مريرًا عاشته وتعيشه منذ عامين تحت وطأة الحرب. هي لا ترسم لمجرد الفن، بل توثّق بلغة بصرية ما يعجز عنه الكلام.
لوحات رغد ليست ألوانًا زاهية ولا خطوطًا عابرة؛ بل مشاهد مكثفة بالحزن، ترصد تفاصيل حياة سكان غزة كما تراها وتعيشها: مجاعة، سوء تغذية، طوابير انتظار الخبز، وأجساد أنهكها الجوع والقصف. تجسّد الواقع بريشةٍ من فحم، وذاكرةٍ لا تزال مفتوحة على الوجع.
تقول رغد لـ”قدس برس”: “فقدتُ بيتي في رفح، وهُجّرت قسرًا إلى المواصي. في لحظة النزوح، لم أكن أملك أدوات الرسم، حتى قلم الرصاص لم يكن متوفرًا. لكنّ الحاجة إلى التعبير دفعتني للبحث عن بديل، فوجدته في شحبار الطناجر”.
وتوضح: “بدأت باستخدام آثار احتراق أواني الطهي كبديل عن الفحم أو أقلام الرصاص. كان الشحبار يمنحني نتيجة قريبة جدًا من قلم الرصاص، وهكذا ولدت أولى لوحاتي من رماد الطناجر”.
الناظر إلى أعمال رغد يرى شهادةً فنية حية على مآسي غزة، توثقها بريشة الفحم حين تعجز الكاميرا عن الالتقاط. في إحدى اللوحات، وجوه أطفال يترقبون لقمة على أبواب التكيات. وفي أخرى، مشهد من مجزرة في إحدى “مصائد الموت”. وفي لوحة ثالثة، طفل جائع استشهد شمال القطاع.
تردف رغد: “معظم رسوماتي تتحدث عن وجع الأمهات، وعيون الأطفال، وركام البيوت، وأجساد الجرحى. أحاول، من خلال لوحة واحدة، أن أختصر الألم كله بصمت، لأن الصمت في بعض الأحيان أبلغ من الكلام”.
وبينما تقف أمام لوحتها الأخيرة، تضيف: “كنت أدرس أنظمة المعلومات الحاسوبية، لكن في سنتي الأخيرة تعطل جهازي المحمول بسبب التنقلات المتكررة والنزوح، واضطررت إلى تغيير تخصصي. اليوم أبدأ من جديد بدراسة اللغة الإنجليزية وآدابها”.
وتختم بحزم: “أرسم من الرماد، لأن هذا ما تبقى لي. أرسم لأن الفن هو الشكل الوحيد للحياة الذي ما زال في متناولي”.
ورغم كل ما فقدته، لا تزال رغد تحتفظ بحلمها: “أطمح إلى إقامة معرض فني خاص، أُعرض فيه لوحاتي التي رسمتها بشحبار الطناجر، لتكون شاهدًا على زمن عشنا فيه بلا أدوات، لكننا لم نتوقف عن الحلم”.
ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تشن دولة الاحتلال حرب إبادة جماعية بغزة، تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة، بدعم أمريكي، أكثر من 205 آلاف شهيد وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين بينهم عشرات الأطفال.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY