Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

شتاء يطرق الأبواب باكرا.. فلسطينيو سوريا بين غلاء الوقود وغياب الدعم وهاجس البرد

بدأت الأمطار الرعدية مبكراً هذا العام، من جنوب سوريا حتى شمالها، حيث تشكّلت السيول في أطراف إدلب وعفرين. ومع أول الغيوم الثقيلة، عاد القلق القديم إلى المخيمات الفلسطينية التي تنتظر شتاءً يبدو أقسى من سابقيه، وفقاً لتوقعات الأرصاد الجوية التي حذّرت من “موسم بردٍ قارس”.

في مخيم دير بلوط، شمالي سوريا، تبدو الخيام المتبقية كأنها تواجه العاصفة بجلدها العاري. الريح تخترق الجوانب المهترئة، والماء يتسلل عند أول مطر.

يقول أبو أحمد وهو يشدّ أطراف خيمته استعداداً للعاصفة: “السنة الماضية غرقت عدة خيام، والمياه دخلت إليها. نعرف أن الأمر سيتكرر”.

وتشكّل أسعار وسائل التدفئة هاجساً إضافياً، إذ يقول أبو أحمد: “القشر والحطب أصبحا أغلى من أي وقت، الطن وصل إلى أكثر من 330 دولاراً، بعد أن كان العام الماضي 150 فقط. الناس هنا بلا دخل ثابت، ولا دعم من أي جهة، فكيف نشتري التدفئة؟”.

ويضيف: “كل ما نملكه حتى الآن هو بعض البطانيات القديمة، ونعتمد على الشمس القليلة في النهار، وما يمكن جمعه من أغصان من البساتين المجاورة”.

وفي قرية حيفا الكرمل ببلدة كللي، لا يختلف المشهد كثيراً.

تقول أم وسيم، وهي أم لخمسة أطفال: “الشتاء لم يبدأ بعد، لكننا نخافه كل يوم. لم نحصل على أي دعم شتوي من المنظمات منذ العام الماضي. القشر أغلى من قدرتنا، والحطب قليل، وحتى المازوت لا يمكننا التفكير فيه.

أطفالي ينامون متلاصقين لنشعر ببعض الدفء”.

وتشير بيدها إلى مدفأة صدئة مركونة في زاوية الشرفة تنتظر أن يتم تركيبها.

وأضافت: “نحرق الكرتون والبلاستيك حين يشتد البرد، مثل كثيرين من جيراننا”.

ما تقوله أم وسيم ليس استثناءً، بل صورة مكرّرة من تقارير منظمات إنسانية، ذكرت أن “النازحين في شمال غرب سوريا باتوا يحرقون الأحذية والبلاستيك للتدفئة بسبب الفقر وغلاء وسائل التدفئة، مما يزيد من مشاكل التنفس والحروق داخل الخيام”.

وفي الجنوب، داخل مخيم اليرموك ومخيم درعا، يواجه الفلسطينيون شتاءهم بطريقة مختلفة، لكنها لا تقل صعوبة.

يقول أبو رائد، أحد العائدين إلى اليرموك: “البيوت هنا متشققة من الحرب، والسقف يرشّ ماءً عند أول مطر. نعتمد على المازوت، لكنه أصبح عبئاً كبيراً. سعر الليتر تجاوز دولاراً واحداً في بعض المناطق، بعد أن كان العام الماضي نصف هذا السعر، بينما وصل برميل المازوت (200 لتر) إلى نحو 180 أو 200 دولار. من يعمل يوماً أو يومين في الأسبوع لا يستطيع شراء ذلك أبداً”.

ويضيف أبو خالد من مخيم درعا: “الكثير من العائلات تشارك بعضها في شراء كمية بسيطة من المازوت، كل عائلة تحصل على بضعة لترات فقط. لا مساعدات، لا زيارات من الأونروا أو المنظمات. نحن نعيش على الانتظار، والبرد لا ينتظر أحداً”.

وفي مخيم النيرب في حلب، يستعد أبو فادي للشتاء بطريقته الخاصة.

فمنذ نهاية الصيف يبدأ بجمع كل ما يعثر عليه في طريقه: أغصان مكسّرة، كراتين، أحذية مهترئة مرمية قرب الورش والطرقات، يخزّنها في إحدى غرف منزله استعداداً لفصل البرد.

يقول مبتسماً بمرارة: “أعمل في جمع الحطب منذ شهور، لا لأنني أبيع، بل لأدفئ أولادي. ما أجمعه يوفر عليّ ثمن الوقود، لكنه يكلفني تعباً ومشقة. أحياناً أعود محملاً بالغبار أكثر من الحطب، لكن ماذا نفعل؟ الدفء صار رفاهية، والمازوت صار حلماً”.

وبحسب خطة الشتاء الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) لعام 2024-2025، فإن أكثر من 2.7 مليون شخص في شمال وغرب سوريا يعيشون في مساكن مؤقتة تفتقر إلى العزل والتدفئة، ويُعدّ اللاجئون الفلسطينيون من أكثر الفئات هشاشة بسبب انقطاع الدعم وندرة الموارد. أما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فذكرت أن أسعار الوقود والحطب في سوريا ارتفعت بأكثر من 80٪ خلال عامٍ واحد، ما يجعل “التدفئة رفاهية غير متاحة للأغلبية”.

ويقول أحد وجهاء مخيم دير بلوط: “البطالة تلتهم كل شيء. الشباب بلا عمل، النساء يتحملن مسؤولية الأسر وحدهن، والأطفال بلا تعليم. نحن لا نفكر في المستقبل، بل في الليلة القادمة، كيف نمنع البرد من الدخول إلى الخيمة”.

ومع كل غيمةٍ جديدة فوق سماء سوريا، تتجدد المخاوف في المخيمات الفلسطينية من بردٍ قد يسرق حياة أو يضاعف الألم.

وبينما تتراجع زيارات الأونروا والمنظمات الدولية، تبقى شرائح لا بأس بها من الفلسطينيين في مواجهة الشتاء بوسائل بدائية، يحتمون ببطانيات بالية، ويواجهون المطر بخيام مثقوبة في الشمال أو جدران متشققة في الجنوب.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY