Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

دعوات الاستيطان في الجنوب السوري.. هل تتحول البؤر إلى واقع دائم؟

لم تعد دعوات جماعات استيطانية إسرائيلية للتوسع نحو الجنوب السوري مجرد شعارات تُطرح من بعيد؛ فقد نفذ أفراد من إحدى هذه الجماعات عمليات عبور إلى الأراضي السورية سعيا لإقامة بؤرة استيطانية، قبل أن يبعدهم الجيش الإسرائيلي من دون أن يتمكنوا من بناء منشآت فيها.

وبين هذه المحاولات وغياب قرار حكومي معلن بإنشاء مستوطنات جديدة، يبرز سؤال بشأن قدرة المستوطنين على تحويل الدعوة إلى واقع على الأرض.

البؤر الاستيطانية.. وقائع ميدانية تسبق القرار الرسمي

ويرى خبير العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل أن الخطر يبدأ من الطريقة التي يُستخدم بها الاستيطان لتثبيت السيطرة على الأرض.

ويقول، إن “جماعات المستوطنين قد تنشئ بؤرا صغيرة تسبق الاعتراف الرسمي بها، ثم تتحول إلى مبرر لتوسيع الحماية العسكرية وفرض قيود على المناطق المحيطة”.

ويقارن خليل في حديثه لـ”قدس برس” بين ما يجري في الضفة الغربية وما يخشى حدوثه في الجنوب السوري، موضحاً أن “السياقين مختلفان؛ فالضفة الغربية تحتل موقعا مركزيا في خطاب جماعات الاستيطان الديني الإسرائيلية”، في حين ترتبط الدعوات الموجهة إلى الجنوب السوري، في تقديره، بمحاولة استثمار الوجود العسكري الإسرائيلي هناك بعد سقوط نظام الأسد.

لكنه يرى تشابها في الأدوات: دخول المستوطنين أولا، ثم المطالبة بحمايتهم، قبل السعي إلى تثبيت البؤرة وتوسيع نطاق السيطرة حولها.

ويشير إلى أن “البؤر قد تبدأ بمنشآت بسيطة أو حضور محدود لجماعات متشددة، من دون إعلان مشروع استيطاني حكومي متكامل”.

ويحذر من أن “صغر حجمها في بدايتها لا يقلل أثرها؛ إذ يمكن أن تصبح نقطة انطلاق للمطالبة بطرق ومناطق أمنية وإجراءات تحد من وصول السكان إلى أراضيهم. وبالنسبة إليه، فإن الفصل بين تحركات المستوطنين والقرار السياسي لا يلغي احتمال أن تستفيد جهات رسمية لاحقا من الوقائع التي ينشئونها”.

ويقول خليل، إن “أثر أي توسع من هذا النوع لن يقتصر على الخريطة، بل سيمس حياة الأهالي مباشرة، ولا سيما الزراعة والرعي ومواسم الحصاد والتنقل بين القرى والأراضي”.

ويرى أن “القيود المفروضة بذريعة حماية المستوطنين يمكن أن تدفع السكان تدريجيا إلى ترك أراضيهم أو تقلص قدرتهم على استثمارها، حتى قبل إقامة مستوطنة كبيرة أو إعلان ضم أي منطقة”.

بين الطموح الاستيطاني والقرار الحكومي.. اختبار المرحلة المقبلة

وفي المقابل، يدعو المحلل السياسي باسل محمد إلى التمييز بين طموحات الجماعات الاستيطانية والسياسة الرسمية للحكومة الإسرائيلية.

ويقول، إن “هذه الجماعات تحاول استثمار المناخ الذي نشأ بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق في الجنوب السوري، وتحويل الوجود العسكري إلى حضور أكثر استدامة، لكن تبني مشروع استيطاني حكومي يظل مرتبطا باعتبارات سياسية وأمنية ودبلوماسية وقانونية”.

ويرى محمد في حديثه لـ”قدس برس”، أن “الخطر الأقرب في المرحلة الحالية يتمثل في خلق أمر واقع تدريجي يجعل فكرة الاستيطان مألوفة مع مرور الوقت، لا في افتراض صدور قرار حكومي وشيك ببناء مستوطنات”.

ويضيف أن “مراقبة علاقة الجماعات الاستيطانية بالقوى السياسية والمؤسسات الأمنية الإسرائيلية ستكون حاسمة: فبقاء الدعوات محصورة في مجموعات أيديولوجية يحد من قدرتها، بينما يشير حصولها على غطاء مؤسساتي إلى انتقالها نحو مرحلة مختلفة”.

ويشرح أن “إقامة بؤرة واحدة ستغير طبيعة الوجود الإسرائيلي في المنطقة. فالوجود العسكري قد يكون موضوع تفاوض بشأن الانسحاب، أما إدخال مستوطنين مدنيين فيخلق مطالب إضافية بحمايتهم وتأمين طرق وصولهم واستمرار القوات التي توفر تلك الحماية”. وعندئذ، بحسب محمد، لن يقتصر النقاش على موعد الانسحاب، بل سيشمل مصير المستوطنين والبؤرة التي أقاموها.

وعلى مستوى السكان المحليين، يتوقع محمد أن “تظهر آثار البؤرة أولا في تفاصيل الحياة اليومية: صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتقييد الحركة والرعي، واتساع الإجراءات الأمنية”.

ويحذر من أن “الإجراءات التي تبدأ مؤقتة تحت عنوان حماية المستوطنين قد تترسخ إذا استمر وجودهم، بما يزيد كلفة أي تفاوض لاحق على إنهاء السيطرة الإسرائيلية على المنطقة”.

وتمنح التجربة القائمة في الجولان السوري المحتل هذه المخاوف بعدا إضافيا، فقد أكدت الأمم المتحدة في قراراتها رفض الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية هناك، واعتبرت الإجراءات الرامية إلى تغيير طابع الجولان ووضعه القانوني مخالفة للقانون الدولي.

غير أن تلك القرارات لا تعني وجود مشروع استيطاني معلن في المناطق السورية التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام؛ وهو تمييز يشدد عليه محمد عند تقييم الدعوات الحالية.

وبين تحذير خليل من تكرار أسلوب البؤر الاستيطانية، وتشديد محمد على أن تحول الدعوات إلى سياسة رسمية لم يحدث بعد، تتجه الأنظار إلى ما يجري على الأرض: هل تبقى محاولات الدخول عابرة، أم تظهر منشآت مدنية وحماية مستمرة لها؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الجنوب السوري يواجه دعوات استيطانية محدودة، أم بداية واقع يصعب التراجع عنه.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY