لم تعد العونة في موسم قطف الزيتون الفلسطيني مجرد تقليد اجتماعي تتوارثه الأجيال، أو وسيلة لتسريع جمع المحصول، بل تحولت في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين إلى شكل من أشكال التضامن الشعبي، الذي يستند إليه المزارعون لحماية أراضيهم ومساندتهم في الوصول إلى حقولهم، ولا سيما تلك القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ومع حلول موسم الزيتون، تتجدد مشاهد الفزعة الفلسطينية، حيث يتوجه متطوعون وأهالٍ من القرى والبلدات المجاورة إلى الأراضي المهددة، لمشاركة أصحابها في قطف الثمار، في مشهد يجسد الموروث الاجتماعي الفلسطيني المعروف بــ “العونة”، ويعزز حضور المزارعين في أراضيهم، في مواجهة محاولات التضييق عليهم وثنيهم عن الوصول إليها.
سند للمزارعين
ويقول المزارع فيصل دوابشة من بلدة “دوما” جنوب مدينة نابلس، إن العونة تمثل أهمية كبيرة للمزارعين، خصوصا في موسم الزيتون، الذي يشكل مصدر دخل أساسيا لكثير من العائلات الفلسطينية.
ويضيف في حديثه لـ”قدس برس” أن وجود مجموعات من المتطوعين إلى جانب المزارعين يمنحهم شعورا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الاعتداءات، ويساعدهم على إنجاز أعمال القطف في وقت أقصر، خصوصا في الأراضي القريبة من المستوطنات، التي بات الوصول إليها محفوفا بالمخاطر.
ويتابع أن تكثير السواد في الأرض، من خلال حضور أكبر عدد ممكن من المزارعين والمتطوعين، يبعث برسالة تضامن واضحة، ويعزز قدرة الأهالي على مواصلة العمل في أراضيهم، رغم المضايقات والتهديدات التي قد يتعرضون لها.
ويؤكد أن العونة لا تقتصر على المساعدة في قطف المحصول، بل تعكس تمسك الفلسطيني بأرضه، وحرصه على استمرار زراعتها وحمايتها من محاولات الاستيلاء عليها.
حماية للأرض
من جهته، يرى المزارع محمود حنني من بلدة “بيت فوريك” شرق نابلس أن العونة تكتسب هذا العام أهمية مضاعفة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين التي تستهدف المزارعين وحقول الزيتون، خاصة في المناطق المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ويقول لـ”قدس برس” إن كثيرا من المزارعين يشعرون بالقلق عند التوجه إلى أراضيهم، خشية التعرض للاعتداء أو منعهم من قطف ثمار الزيتون، الأمر الذي يجعل وجود المتطوعين والأهالي إلى جانبهم ضرورة معنوية وعملية.
ويضيف أن مشاركة أبناء القرى والبلدات في قطف الزيتون تعزز روح التكافل الاجتماعي، وتخفف الأعباء عن المزارعين، فضلا عن دورها في تشجيعهم على الوصول إلى أراضيهم وعدم تركها بسبب المخاوف والتهديدات.
ويشير إلى أن “الفزعة الفلسطينية” تمثل أحد أشكال التمسك بالأرض، إذ يتجاوز حضور المتطوعين حدود المساعدة الموسمية، ليعبر عن مسؤولية جماعية تجاه المزارعين وأراضيهم، في ظل الظروف التي يواجهونها.
ويختم بالقول إن موسم الزيتون ليس مجرد موسم زراعي، بل مناسبة تتجدد فيها علاقة الفلسطيني بأرضه، وتتجلى فيها قيم التعاون والتكافل، مؤكدا أن اجتماع الأهالي في الحقول يجسد رسالة مفادها أن المزارع لن يواجه وحده التحديات التي تهدد أرضه ومصدر رزقه.
دلالات اجتماعية
ويقول الباحث والكاتب ممدوح بري إن العونة تمثل إحدى العادات والتقاليد الأصيلة في المجتمع الفلسطيني، التي تعكس روح التعاون والتكافل الاجتماعي، حيث اعتاد الفلسطينيون على مساندة بعضهم بعضا في المواسم الزراعية، وفي مقدمتها موسم قطف الزيتون، الذي يشكل جزءا مهما من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية الفلسطينية.
ويضيف أن العونة لا تقتصر على مساعدة المزارعين في إنجاز أعمال القطف، بل تحمل دلالات اجتماعية وثقافية عميقة، إذ تعزز الروابط بين أبناء المجتمع، وتكرس قيم المشاركة والمسؤولية الجماعية، وتؤكد أن الأرض ليست مجرد مصدر للرزق، وإنما جزء من علاقة الفلسطيني بتاريخه وموروثه وانتمائه.
ويشير بري إلى أن استعادة هذه العادة في ظل الظروف الراهنة، ولا سيما مع تصاعد الاعتداءات على المزارعين وحقول الزيتون القريبة من المستوطنات، تمنحها أبعادا إضافية، إذ تتحول العونة من ممارسة اجتماعية متوارثة إلى مساحة للتضامن والإسناد، وتجسيد عملي لتمسك الفلسطينيين بأرضهم ومساندتهم لأصحابها.
ويؤكد أن استمرار العونة ونقلها إلى الأجيال الجديدة يسهمان في الحفاظ على الموروث الشعبي الفلسطيني، ويعززان حضور القيم التي قامت عليها القرى والبلدات الفلسطينية عبر التاريخ، وفي مقدمتها التعاون والتكافل والتشبث بالأرض.
ويقول الباحث الاجتماعي عبد السلام عواد إن العونة تمثل إحدى الركائز الاجتماعية التي حافظ عليها المجتمع الفلسطيني عبر أجيال، لما تؤديه من دور في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ قيم التكافل والتضامن، وتأكيد مسؤولية الجماعة تجاه أفرادها، ولا سيما في المواسم الزراعية التي تتطلب جهدا جماعيا، وفي مقدمتها موسم قطف الزيتون.
ويضيف أن أهمية العونة تتضاعف في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين، خصوصا في الأراضي القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث لا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على الخسائر المادية، بل تمتد إلى بث الخوف والقلق ومحاولة دفع المزارعين إلى العزوف عن الوصول إلى أراضيهم، بما يتركهم في مواجهة منفردة مع هذه التحديات.
ويشير عواد إلى أن الفزعة الشعبية وحضور المتطوعين إلى جانب المزارعين يشكلان ردا اجتماعيا على محاولات الاستفراد بالفلسطينيين، إذ يعيدان التأكيد على أن المزارع ليس وحده، وأن ما يتعرض له في أرضه هو شأن مجتمعي يتطلب التضامن والإسناد. كما أن هذا الحضور يعزز الشعور بالأمان والانتماء، ويسهم في تقوية الروابط بين أبناء القرى والبلدات الفلسطينية.
ويؤكد أن العونة تتجاوز كونها تقليداً موسمياً أو وسيلة لإنجاز أعمال القطف، لتصبح ممارسة اجتماعية تعيد إنتاج التضامن في مواجهة الضغوط، وتحافظ على تماسك المجتمع في ظل التحديات التي يواجهها.
ويضيف أن استمرار هذه المبادرات، وإشراك الشباب والأجيال الجديدة فيها، يسهمان في نقل قيم التعاون والمسؤولية الجماعية، ويعززان قدرة المجتمع الفلسطيني على حماية نسيجه الاجتماعي والحفاظ على حضوره في أرضه.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY