Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

تقرير: المستوطنون يستخدمون أساليب الحصار والعنف لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم

يستطيع محمود وعايدة طوباسي رؤية منزليهما من المكان الذي يقيمان فيه على تلة في الطرف الشمالي الشرقي من قرية جالود، وهي قرية فلسطينية قرب نابلس، لكنهما لا يستطيعان العودة إليهما بسبب اعتداءات المستوطنين.

مرّ شهر تقريبًا منذ رحيل الزوجين. لم تكن روايتهما عن هجوم مفاجئ، بل عن شيء أبطأ وأكثر منهجية، شهور من التهديدات، والحرق العمد، ورشق الحجارة، وإغلاق الطرق، والعزلة التي، كما يقولان، جعلت الحياة الطبيعية مستحيلة تدريجيًا. وبحلول الوقت الذي غادرا فيه أخيرًا، قال طوباسي إنه لم يتبقَّ لهما شيء يُعينهما على البقاء. “لا ماء، لا دقيق، لا أرز”، قال. “أدركنا أن الأمر انتهى، فغادرنا”.

وتُعدّ قصة عائلة طوباسي جزءًا من نمط أوسع ينتشر في أجزاء من الضفة الغربية، حيث أنشأ مستوطنون متطرفون بؤرًا استيطانية في مناطق تقع اسميًا تحت الإدارة الفلسطينية.

حصار المنازل في قرية قصرة الفلسطينية جنوب نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة من جانب المستوطنين، والذي لفت انتباه العالم، ليس حالة معزولة على الإطلاق: إذ ينتقل شبان يهود من المزارع والبؤر الاستيطانية إلى أطراف القرى الفلسطينية، ويقطعون الطرق المؤدية إليها، ويضغطون على الفلسطينيين للفرار، وهي ممارسة تنتشر الآن من المنطقة (ج) إلى المنطقتين (ب) و(أ) في الضفة الغربية.

ويقول سكان فلسطينيون ومنظمات حقوقية إسرائيلية إن هذه البؤر الاستيطانية غالبًا ما تتبعها مواجهات وترهيب وعنف يدفع السكان الفلسطينيين إلى النزوح من أراضيهم الزراعية ومنازلهم المعزولة، وفي بعض الحالات، من ممتلكاتهم بأكملها.

وقال طوباسي لموقع /واينت/ العبري: “لسنا أمريكيين، نحن فلسطينيون عاديون”، مُقارنًا بين تجاهل عائلته والاهتمام الدولي المُوجّه إلى قصرة المجاورة، حيث أصبح المواطن الأمريكي لؤي أبو رضا مركزًا للمواجهة بعد أن حاصر المستوطنون منزله . وأضاف: “لا نحمل أي جنسية أجنبية، ولا نتحدث الإنجليزية أنا وزوجتي. ما حدث في قصرة لا يُقارن بما مررنا به، ولم يأتِ أحد تقريبًا لمساعدتنا”.

جغرافية عنف المستوطنين

بموجب اتفاقية أوسلو، تمارس السلطة الفلسطينية السيطرة المدنية على المنطقة (ب)، بينما تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية العليا. وتخضع المنطقة (أ) رسميًا للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية. ومع ذلك، ووفقًا لخرائط أجرتها حركة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، فقد أُنشأت 26 بؤرة استيطانية في المنطقتين (أ) و(ب)، بعضها على حدود المنطقة (أ) نفسها.

وتقدر الحركة أن المستوطنين سيطروا على نحو 100 ألف دونم، أي ما يعادل 25 ألف فدان تقريبًا، في المنطقتين.

ويشير تقرير صادر عن منظمة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية إلى أن جغرافية عنف المستوطنين قد تغيرت بالتزامن مع التوسع الاستيطاني. وذكرت المنظمة أن 62.6% من حوادث عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين التي وثقتها في النصف الأول من عام 2026 وقعت في المنطقتين (أ) و(ب). في المقابل، في عام 2025، تركزت 67.6% من الحوادث الموثقة في المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما وقعت 32.4% منها في المنطقتين (أ) و(ب).

ووصف يوناتان كانونيتش، مدير الأبحاث في منظمة “يش دين”، هذا التوجه بأنه آلية ضغط تدفع السكان الفلسطينيين إلى الابتعاد عن الأراضي الزراعية والمنازل المعزولة والتوجه نحو مراكز المدن والقرى القائمة.

وقال: “كلما توغل الاستيطان، ازداد العنف”.

وتشمل الحوادث التي وثقتها المنظمة هجمات حرق متعمد للمنازل والمركبات والمحاصيل، والضرب، ورشق الحجارة، وإلقاء زجاجات المولوتوف، وإطلاق النار الحي.

هددونا بالحرق

وقال طوباسي: إنه بنى منزلين على أرض العائلة، أحدهما له ولعايدة، والآخر على بُعد حوالي 25 مترًا لابنيه وائل وقيس وعائلتيهما. بدأ البناء عام 2017، وانتقلت العائلة إلى المنزل بعد عامين.

وأكد طوباسي أن العائلة تملك الأرض وحصلت على ترخيص من مجلس القرية للبناء. ثم ظهر مركز استيطاني جديد على تلة قريبة. قال طوباسي: “في الليلة الأولى لوصول المستوطنين، سكبوا الوقود على أبواب المنازل وأضرموا فيها النار ثم فروا هاربين. استيقظنا مذعورين وتمكنا من إخماد النيران”.

بعد أسبوعين، قال إن المستوطنين أقاموا هيكلاً مؤقتاً بجوار المنازل وبقوا هناك، فيما رُشقت المنازل بالحجارة، وشُغّلت موسيقى صاخبة ليلاً، وتلقّت العائلة تهديدات، “قالوا لنا: سنحرقكم كما أحرقنا عائلة دوابشة”، في إشارة إلى هجوم الحريق المتعمد الذي وقع عام 2015 في قرية دوما المجاورة، والذي أسفر عن مقتل طفل فلسطيني صغير ووالديه.

أرسلت العائلة الأطفال وأمهاتهم بعيدًا. وفي وقت لاحق، قال طوباسي إن المستوطنين اقتحموا جدارًا وأضرموا النار في غرفة تخزين. وبحلول أواخر شهر حزيران/ يونيو، كان الطريق الوحيد المؤدي إلى القرية، والذي كان يسلكه أفراد العائلة، قد أُغلق بالحجارة والمسامير. وانقطعت عنهم المياه والكهرباء.

وقال طوباسي إن العائلة اشتكت مرارًا وتكرارًا إلى مسؤولي الاتصال الفلسطينيين، والإدارة المدنية الإسرائيلية، والجيش، والشرطة، لكن كل جهة كانت تُحيل الأمر إلى جهة أخرى. وأضاف: “لقد تناقلونا فيما بيننا ككرة في سلة واحدة”.

حالات مماثلة

ووردت روايات مماثلة من مجتمعات فلسطينية أخرى. ففي قرية جلجليا، الواقعة شمال رام الله في عمق المنطقة (أ)، يقول السكان الفلسطينيون إن إنشاء بؤرة استيطانية قبل نحو عشرة أشهر قد غيّر ما كان في السابق منطقة هادئة.

ففي أيار/مايو، ادعى مستوطنون سرقة 120 رأسًا من الأغنام. وقال السكان الفلسطينيون: إن المستوطنين استولوا لاحقًا على نحو 900 رأس من الأغنام من حظائر الفلسطينيين. وخلال المواجهات التي تلت ذلك، أطلق جنود النار وقتلوا يوسف كعابنة، البالغ من العمر 16 عامًا، وفقًا لما ورد في التقرير. وبعد شهر، أُضرمت النيران في مسجد، وكُتبت كلمة “انتقام” على جداره.

وقال يوسف ، أحد سكان القرية، إن المستوطنين يدخلون الآن أراضي القرية الزراعية مع مواشيهم، ويتلفون المحاصيل ويواجهون المزارعين. وأضاف: “يأتون ببنادق ومسدسات ويهددوننا. نصورهم، فيسخرون منا”. ويقول السكان إنهم زودوا منظمة “يش دين” بصور ومقاطع فيديو وأرقام لوحات سيارات، لكن الهجمات ما زالت مستمرة.

المغادرة سيراً على الأقدام

صمدت عائلة طوباسي حتى 22 تموز/ يوليو، وقال محمود إن جنوداً إسرائيليين اعتقلوا ابنيه في اليوم السابق للاشتباه في قيامهما برشق المستوطنين بالحجارة. وفي اليوم التالي، قرر محمود وعايدة أنهما لم يعودا قادرين على البقاء.

قال: “لم يتبق شيء. لا ماء، لا دقيق، لا أرز. لا شيء. أنا وزوجتي فقط، ونحن في الستين من العمر. أدركنا أن الأمر قد انتهى.”

طلبوا الإذن بإدخال سيارة لنقل أمتعتهم، لكن طوباسي قال إن طلبهم قوبل بالرفض. فخرجوا حاملين بعض الملابس فقط.

قال طوباسي: إن المستوطنين دخلوا المنازل بعد ذلك بوقت قصير، قبل أن يقوم الجنود بإخراجهم. ومنذ ذلك الحين، حافظت القوات الإسرائيلية على وجودها هناك، بينما بقي المستوطنون في الجوار.

بالنسبة لطوباسي، يكمن السؤال الأهم في ما سيحدث بعد اختفاء الجنود والكاميرات والاهتمام الخارجي. قال: “ظننا أن العالم سيقف إلى جانبنا، لكن اتضح أنه لا أحد يهتم لأمرنا”.

وتشهد الضفة الغربية تصعيدا متواصلا في اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بالتزامن مع توسع إقامة البؤر الاستيطانية وشق الطرق الاستيطانية وفرض مزيد من القيود على حركة الفلسطينيين.

ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية، استشهد 87 فلسطينياً جراء اعتداءات المستوطنين بين مطلع 2019 و21 آب/أغسطس 2026، بينهم 25 شهيداً منذ بداية العام الجاري، فيما ارتفع عدد الشهداء منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 61 شهيداً، أي أكثر من 70% من إجمالي الحالات المسجلة خلال الفترة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY