Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

تشيلي.. مطالبات بالتحقيق مع سفيرها لدى “إسرائيل” بسبب تصريحاته عن الجالية الفلسطينيةc

طالبت مجموعة “محامون من أجل فلسطين” في تشيلي ديوان المراقب العام للجمهورية بفتح تحقيق رسمي في تصرفات سفير البلاد لدى “إسرائيل”، غابرييل زالياسنيك، على خلفية تصريحات أدلى بها بشأن الجالية الفلسطينية والسياسة الخارجية التشيلية، معتبرة أن القضية تتعلق بحدود استخدام السفير لمنصبه الرسمي، ومدى التزامه بواجبات الحياد والنزاهة التي يفرضها القانون.

وقدمت المجموعة طلبها رسميًا إلى ديوان المراقب العام في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بشأن مقابلة أجراها زالياسنيك في 26 آب/أغسطس مع برنامج “الدفاع عن إسرائيل” على قناة “الخدمة الإذاعية اليهودية” الأمريكية، وظهر خلالها بصفته سفير تشيلي لدى “إسرائيل”.

وطلبت المجموعة من ديوان الرقابة فحص ما إذا كان السفير قد تصرف وفق التعليمات الرسمية لوزارة الخارجية، وما إذا كانت تصريحاته تتوافق مع صلاحياته وواجباته الإدارية، إلى جانب بحث إمكانية فتح تحقيق تأديبي رسمي وتحديد المسؤوليات في حال ثبوت وقوع مخالفات.

أبوغاتاس: السفير لا يمثل نفسه

وقالت المحامية التشيلية باولا أبوغاتاس، ممثلة مجموعة “محامون من أجل فلسطين”، في تصريحات لـ”قدس برس”، إن الأساس القانوني للطلب يتمثل في أن “السفير لا يمثل نفسه”، وإنما يمثل دولة تشيلي ورئيس الجمهورية، ويتوجب عليه تنفيذ السياسة الخارجية للبلاد والالتزام بتعليمات وزارة الخارجية.

وأضافت أن القانون التشيلي يفرض على الموظفين العموميين الالتزام بمبادئ النزاهة والحياد وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، إلى جانب واجب الابتعاد عن النشاط السياسي أثناء ممارسة الوظيفة.

وقالت أبوغاتاس إن المجموعة عرضت على ديوان الرقابة سبع فرضيات لمخالفات محتملة، بينها “الابتعاد عن التعليمات والتسلسل الإداري، والتعبير عن موقف شخصي بشأن السياسة الخارجية، والمساس بالنزاهة والولاء المؤسسي، والإخلال بالحياد في التعامل مع المواطنين التشيليين، واستخدام الصفة الرسمية لأغراض خارج الإطار المؤسسي”.

وأضافت أن الطلب يشمل كذلك بحث ما إذا كانت مواقف السفير قد ناقضت الموقف الرسمي لوزارة الخارجية، إلى جانب النظر في القواعد المتعلقة بحظر التمييز التعسفي من جانب الموظفين العموميين.

“المشكلة ليست في معتقداته”

وشددت أبوغاتاس على أن اعتراض المجموعة لا يتعلق بالمعتقدات الشخصية أو الدينية والسياسية للسفير.

وقالت: “المشكلة تكمن في استخدام المنصب للترويج لأجندة شخصية، وهو ما نراه مخالفة للقانون الإداري التشيلي، وليس في معتقداته الخاصة”.

وأضافت أن زالياسنيك يتمتع بكامل الحرية في الفكر والدين والتعبير، إلا أن الحد القانوني، بحسب رأي المجموعة، يبدأ عندما يتحدث شخص أمام جمهور أجنبي مستندًا إلى صفته الرسمية سفيرًا، ويتناول ملفات تقع مباشرة ضمن اختصاص وظيفته.

وأشارت إلى أن زالياسنيك قدّم مهمته خلال المقابلة باعتبارها “تحديًا” شخصيًا مرتبطًا بكونه “صهيونيًا فخورًا”، كما وصف الحكومة التشيلية السابقة بأنها من “اليسار المتطرف”.

وقالت أبوغاتاس إن رئيس البعثة الدبلوماسية مطالب قانونيًا بالحياد السياسي، مضيفة: “هذا، في رأينا، هو ما تجاوز الحد”.

الجالية الفلسطينية واتهامات “التطرف”

وكان زالياسنيك قد شكك خلال المقابلة في الأرقام المتداولة بشأن حجم الجالية الفلسطينية في تشيلي، وقال إنها “تلعب بالأرقام لأن ذلك سياسة”، في الوقت الذي أقر فيه بعدم وجود تعداد إثني يسمح بتحديد رقم دقيق لعدد التشيليين من أصل فلسطيني.

كما تحدث عن وجود ما وصفه بـ”تطرف” لدى بعض القطاعات الصغيرة من الجالية.

وقالت أبوغاتاس إن هذه النقطة تشكل جانبًا أساسيًا من الطلب المقدم إلى ديوان الرقابة، موضحة أن السفير نفسه أقر بأن الأرقام لا يمكن تحديدها إلا بالتقدير، لكنه اتهم الجالية في الوقت ذاته بالتلاعب بها لأسباب سياسية.

وأضافت أن السؤال الذي وُجّه إلى السفير كان يتعلق بحجم الجالية، “لكنه توسع من تلقاء نفسه للحديث عن وجودها في وسائل الإعلام والبرلمان وعن تطرف بعض القطاعات”.

وقالت: “الحديث عن التطرف من دون تحديد أشخاص أو منظمات أو وقائع أمر خطير، لأنه يعادل القول إن بين المواطنين التشيليين مجموعات تميل إلى العنف، وهي شبهة لا يستطيع أحد دحضها لأنه لا يوجد شيء محدد يمكن نفيه”.

وأوضحت أبوغاتاس أن المجموعة لا تطلب من ديوان الرقابة أن يعلن وقوع تمييز، لأن ذلك يعود إلى المحاكم، لكنها تطالب بالتحقق من مدى التزام السفير بالحظر الإداري المفروض على الموظفين العموميين بشأن التمييز التعسفي.

وأضافت أن صدور هذه التصريحات عن سفير “يزيد من تأثيرها، لأنه يقرب هذا الحكم من أن يُفهم باعتباره جزءًا من الخطاب الرسمي للدولة تجاه قسم من مواطنيها”.

وقالت إن المجموعة ترى أن التصريحات تحمل “أثرًا موضوعيًا في الوصم”، لأنها تنسب إلى مجموعة من المواطنين التشيليين التلاعب السياسي والخطورة، بصرف النظر عن نية قائلها.

خلاف حول الأمم المتحدة وخريطة فلسطين

ويتضمن الطلب أيضًا اعتراضًا على تصريحات أدلى بها زالياسنيك بشأن توجهات تصويت تشيلي في الأمم المتحدة، إضافة إلى ظهور خريطة خلال المقابلة اعتبرتها المجموعة تُظهر الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ضمن “إسرائيل”.

وقالت أبوغاتاس إن إدارة العلاقات الدولية، وفقًا للدستور التشيلي، تقع ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، فيما تتمثل مهمة السفير في تنفيذ تلك السياسة، لا الإعلان مسبقًا عن تغييرات محتملة فيها.

وأضافت أن زالياسنيك تحدث عن انتقال تشيلي من التصويت لمصلحة بعض القرارات المتعلقة بفلسطين إلى الامتناع عن التصويت، وأعرب عن أمله في تبني البلاد موقفًا “أكثر عقلانية”.

واعتبرت أن هذه التصريحات تتجاهل حقيقة أن دعم الدولة الفلسطينية وحل الدولتين يمثلان موقفًا تبنته حكومات تشيلية من توجهات سياسية مختلفة.

وأشارت إلى أن تشيلي اعترفت رسميًا بدولة فلسطين عام 2011، خلال حكم الرئيس سيباستيان بينييرا، ودعمت قرارات دولية متعلقة بالقضية الفلسطينية، كما شاركت في تحركات أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.

أما بشأن الخريطة، فقالت أبوغاتاس إن المجموعة لا تتهم السفير باختيارها، لأن ديكور البرنامج يعود إلى القناة، لكنها تنتقد عدم اعتراضه عليها.

وقالت: “المقابلة بأكملها جرت أمام خريطة تُظهر الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة داخل إسرائيل، ومن يتحدث باسم دولة تعترف بفلسطين لا يمكنه أن يقبل ضمنيًا بصورة تمحوها”.

وأضافت: “لقد صمت تحديدًا في اللحظة التي كان يُفترض أن يمثل فيها موقف تشيلي”.

ماذا تطلب المجموعة من ديوان الرقابة؟

وقالت أبوغاتاس إن الطلب يتضمن إجراءات محددة، في مقدمتها مطالبة ديوان الرقابة بالحصول من وزارة الخارجية على جميع التعليمات والتصاريح والمراسلات المتعلقة بالمقابلة، لمعرفة ما إذا كان ظهور السفير قد جرى بتنسيق رسمي.

وأضافت أن المجموعة تريد كذلك أن يحدد ديوان الرقابة ما إذا كان يحق لرئيس بعثة دبلوماسية الإعلان مسبقًا عن تغييرات محتملة في طريقة تصويت تشيلي داخل المنظمات الدولية.

وطالبت أيضًا بمراجعة ما وصفته الحكومة بـ”استدعاء السفير إلى النظام”، معتبرة أن هذا الإجراء لا يشكل عقوبة إدارية رسمية منصوصًا عليها في النظام الإداري للموظفين العموميين.

وقالت أبوغاتاس إن “الاستدعاء إلى النظام” لا يُسجل عقوبة في الملف الوظيفي، ولا يتضمن توجيه اتهامات أو ضمان حق الدفاع، ولا يخضع لإجراءات رقابية مماثلة للتحقيق التأديبي.

وأضافت أنه إذا كانت الحكومة قد أقرت بوقوع خطأ من جانب السفير، فإن ذلك يستوجب، من وجهة نظر المجموعة، إجراء تحقيق إداري وفقًا للقانون.

وقالت إنهم يطالبون ديوان الرقابة “بفتح التحقيق أو إصدار توجيهات بذلك، أو على الأقل تحديد المعيار القانوني ووضع قواعد عامة للظهور الإعلامي والتصريحات العلنية للسفراء”.

هل يمكن أن يفقد منصبه؟

وحول إمكانية تأثير القضية على استمرار زالياسنيك سفيرًا، قالت أبوغاتاس إن السفراء في تشيلي يشغلون مناصب قائمة على الثقة السياسية للرئيس، ولذلك فإن قرار إبقائهم أو إعفائهم يعود في النهاية إلى رئيس الجمهورية.

لكنها أضافت: “هذه الثقة ليست شيكًا على بياض”.

وأوضحت أن صلاحية الرئيس في إنهاء مهمة السفير والمسؤولية الإدارية عن أفعاله مسألتان منفصلتان، وأن التحقيق، في حال ثبوت مخالفات، قد ينتهي بعقوبات تأديبية تصل في أقصى درجاتها إلى العزل.

وأضافت: “لا نريد استباق النتيجة. ما نطالب به هو التحقيق في الوقائع كما يفرض القانون، وألا تنتهي القضية دون مساءلة”.

الحكومة: السفير “ارتكب خطأ”

وكانت تصريحات زالياسنيك قد أثارت موجة انتقادات داخل تشيلي منذ نهاية آب/أغسطس، شملت الجالية الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين وبرلمانيين وأطرافًا سياسية.

وعقب تصاعد الجدل، أصدر السفير بيانًا أعرب فيه عن أسفه لاستخدام عبارات “قد تكون مسيئة” للجالية الفلسطينية، وقال إنه لم يكن يقصد الإساءة إلى المواطنين التشيليين من أصول فلسطينية.

كما نأت الحكومة التشيلية بنفسها عن تصريحاته، وقال وزير الداخلية والأمانة العامة للحكومة، كلاوديو ألفارادو، إن السفير “ارتكب خطأ”، وإن كلامه لا يمثل موقف الحكومة، مشيرًا إلى أن وزارة الخارجية ستتحدث معه داخليًا و”تستدعيه إلى النظام”.

ولم يصدر، حتى وقت إعداد هذا التقرير، إعلان علني عن ديوان المراقب العام يفيد بحسم الطلب أو بإصدار قرار نهائي بشأن فتح تحقيق تأديبي.

أبوغاتاس: هناك “ازدواجية معايير”

وترى مجموعة “محامون من أجل فلسطين” أن القضية تتجاوز تصريحات زالياسنيك إلى طريقة تعامل المؤسسات التشيلية مع المسؤولية الدبلوماسية.

وقالت أبوغاتاس لـ”قدس برس”: “إذا انتهى كل شيء بمجرد استدعاء إلى النظام، فإن الرسالة التي ستصل إلى جميع أفراد السلك الدبلوماسي هي أن النزاهة وكرامة المواطنين التشيليين أمور قابلة للتفاوض. وهي ليست كذلك”.

وتحدثت عن وجود ما وصفته بـ”ازدواجية معايير”، مشيرة إلى أن وزارة الخارجية اتخذت عام 2025 إجراءات رسمية بحق سفيرة تشيلي في نيوزيلندا، وهي دبلوماسية مهنية، بسبب تصريحات أدلت بها لوسيلة إعلام أجنبية.

وأضافت: “اليوم، أمام سفير يحظى بالثقة الحصرية للرئيس وله وزن سياسي كبير، تقتصر الاستجابة على مجرد استدعاء إلى النظام، من دون تحقيق إداري”.

وتابعت: “نحن لا نطالب بتطبيق العقوبة نفسها عليه، لكننا نسأل: لماذا المعيار مختلف هذه المرة؟”.

وقالت أبوغاتاس إن تعريف ممثل تشيلي لدى “إسرائيل” نفسه علنًا بأنه “صهيوني فخور” يستوجب، في رأيها، أن تتخذ وزارة الخارجية إجراءات تكفل حياد البعثة وألا تتحول المهمة الدبلوماسية إلى “مشروع شخصي”.

“الحكومة تقترب من المواقف الصهيونية”

وفي تقييمها للسياسة الخارجية الحالية، قالت أبوغاتاس إن تحديد توجه العلاقات الخارجية يبقى من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكنها اعتبرت أن هناك تحولًا في نهج الحكومة تجاه القضية الفلسطينية.

وقالت: “في الواقع نرى حكومة تقترب من مواقف الصهيونية وتبتعد عن القضية الفلسطينية، في وقت سبق أن تدخلت فيه تشيلي أمام محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بالإبادة الجماعية في غزة”.

وأضافت أن المجموعة لا تعترض على حق الحكومة في تحديد السياسة الخارجية، وإنما تطالب بأن يتم التعبير عنها “من خلال القنوات المختصة، وليس عبر الآراء الشخصية لسفير أمام وسيلة إعلام أجنبية”.

واستحضرت قرار تشيلي الاعتراف بدولة فلسطين عام 2011، مشيرة إلى أن الوثيقة الرسمية آنذاك أشادت بإسهام الجاليتين الفلسطينية واليهودية في البلاد وتعايشهما.

وقالت: “هذا هو المعيار الذي ينبغي للدولة أن تعامل به جميع مواطنيها”.

وعين الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست زالياسنيك سفيرًا لدى “إسرائيل” في حزيران/يونيو الماضي، وقدم أوراق اعتماده في آب/أغسطس. وهو محامٍ وأستاذ في القانون الجنائي، وسبق أن ترأس الجالية اليهودية في تشيلي بين عامي 2006 و2010.

وتضم تشيلي واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي، ما يجعل العلاقة مع فلسطين و”إسرائيل” ملفًا ذا حساسية سياسية واجتماعية خاصة داخل البلاد.

وتحولت القضية، مع الطلب المقدم إلى ديوان المراقب العام، من سجال سياسي وإعلامي إلى مسار قانوني وإداري، في انتظار أن يقرر الجهاز الرقابي ما إذا كانت تصريحات السفير وتصرفاته تستوجب فتح تحقيق تأديبي رسمي أو وضع ضوابط أكثر تحديدًا لظهور ممثلي الدولة التشيلية في وسائل الإعلام الأجنبية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY