في سياق تصاعد غير مسبوق في محاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، تتكثف الدعوات الاستيطانية لاقتحامه في توقيتات شديدة الحساسية دينيًا وسياسيًا، بما يعكس تحوّلًا تدريجيًا من الانتهاكات المحدودة إلى مشروع متكامل يستهدف تغيير هوية المكان ووضعه التاريخي والقانوني.
ومع تزايد الغطاء السياسي والأمني لهذه التحركات، يحذر باحثون ومحللون من أن ما يجري لم يعد مجرد أحداث عابرة، بل يمثل مرحلة متقدمة في مسار تهويد الأقصى، وفرض سيادة أمر واقع على حساب خصوصيته الإسلامية ومكانته في الوعي العربي والإسلامي.
استهداف الزمان الإسلامي
قال الباحث في شؤون القدس والأقصى علي إبراهيم إن “المعطيات الميدانية تشير إلى مساع حثيثة من قبل ما يُعرف بـ(منظمات المعبد) المتطرفة لفرض اقتحام المسجد الأقصى يوم الجمعة الموافق 15 أيار/مايو، بالتزامن مع مايسمّى (مسيرة الأعلام) الاستيطانية”.
وأوضح إبراهيم في حديث لـ”قدس برس” اليوم الأربعاء، أن “الأيام الماضية شهدت تصاعدًا في الدعوات الصادرة عن أعضاء في الكنيست ووزراء في حكومة الاحتلال لفتح أبواب الأقصى أمام المقتحمين، في خطوة تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تكريس أولوية الأعياد اليهودية بمعزل عن المناسبات الإسلامية، وفتح الباب أمام اعتداءات متصاعدة، بما في ذلك الاقتحام في يوم الجمعة وخارج الأوقات المحددة سابقًا”.
وأشار إبراهيم إلى أن “هذه الدعوات تكشف جملة من الحقائق المفصلية، أبرزها السعي إلى ترسيخ اقتحام الأقصى يوم الجمعة كأمر واقع، مستندًا إلى نمط سلوك متكرر لدى أذرع الاحتلال يقوم على تحويل أي خرق جديد إلى قاعدة دائمة”.
ولفت إلى أن “استهداف يوم الجمعة، بما يحمله من رمزية دينية وحضور إسلامي كثيف، يعكس محاولة واضحة لضرب الزمان الإسلامي الخاص، وبعث رسالة مفادها أن السيادة (الإسرائيلية) تسعى إلى تجاوز أي خصوصية دينية أو تاريخية للمسجد، بما يقوض مفهوم الحصرية الإسلامية له”.
كما أكد أن “هذه الاعتداءات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتصل بإعادة إنتاج النكبة في القدس، في ظل التزامن الزمني مع ذكرى احتلال الشطر الشرقي من المدينة، وما تحمله (مسيرة الأعلام) من شعارات تعكس نزعة إحلالية”.
ويرى إبراهيم أن “الاقتحام يمثل حلقة ضمن مشروع يستهدف فرض الوجود اليهودي داخل الأقصى، وتفريغه من هويته الإسلامية، وإحلال الرواية والطقوس التلمودية مكانها، وصولًا إلى فرض السيادة الكاملة عليه”.
غطاء رسمي
وبيّن أن “ما يجري يعكس تضافرًا واضحًا بين مختلف أذرع الاحتلال، بدءًا من المنظمات المتطرفة التي تحشد أنصارها، مرورًا بالدعم السياسي الرسمي عبر العرائض والمواقف الحكومية، وانتهاءً بالمظلة الأمنية التي تسعى إلى فرض هذه الاقتحامات أو تمريرها تحت غطاء فعاليات استيطانية كـ(مسيرة الأعلام)”.
وفي مواجهة هذه التهديدات، شدد إبراهيم على “ضرورة تعزيز الرباط في المسجد الأقصى، خاصة منذ صلاة فجر يوم الجمعة، مع الحفاظ على حضور إسلامي كثيف قادر على إفشال مخططات الاحتلال”، مستحضرًا “نماذج سابقة نجحت فيها الحشود في كسر محاولات فرض واقع جديد، كما حدث في اقتحام الأقصى بالتزامن مع أول أيام عيد الأضحى عام 2019”.
الخطر القادم
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن “تصاعد الدعوات لاقتحام الأقصى في هذا التوقيت لا يمثل حدثًا عابرًا، بل يشكل تتويجًا لمخطط تهويدي يستهدف تفكيك (الوضع القائم) المستمر منذ عام 1967″.
وأوضح شاهين في حديث لـ”قدس برس” أن “اختيار يوم الجمعة تحديدًا، بعد أن ظل مغلقًا أمام المستوطنين لعقود، يعكس محاولة متعمدة لكسر أحد أهم ثوابت إدارة المسجد”.
وأضاف شاهين أن “هذا التحرك يمثل انقلابًا صريحًا على مبدأ (التقسيم الزماني) الذي أقرته شرطة الاحتلال عام 2003″، محذرًا من أن “انخراط حكومة متطرفة، يقودها وزراء بارزون، في دعم هذه الدعوات، ينقل الاعتداء من مستوى الانتهاكات الفردية إلى مستوى العدوان الرسمي الممنهج”.
وأشار إلى أن “خطورة المشهد تتضاعف مع تزامنه مع مناسبتين مركزيتين في الذاكرة الفلسطينية: ذكرى النكبة، وما يسمى إسرائيليًا (يوم توحيد القدس)، حيث يتحول الاقتحام إلى طقس سياسي-ديني مركب، يجمع بين الاحتفاء بجريمة التطهير العرقي عام 1948، واستكمال احتلال القدس عام 1967”.
ويرى أن “هذه الرسالة تؤكد أن استهداف الوجود الفلسطيني لم يتوقف، بل يتجدد بأدوات مختلفة، من خلال محاولة طمس الهوية العربية والإسلامية للأقصى وفرض طقوس ورموز الاحتلال داخله”.
وحذر شاهين من أن “نجاح هذا المخطط سيؤسس لسابقة خطيرة، تجعل اقتحام يوم الجمعة أمرًا اعتياديًا، بما يمهد لإلغاء (الوضع القائم) بشكل كامل، ويفتح الباب أمام فرض التقسيم المكاني للمسجد، كما طُرح سابقًا في مشاريع داخل الكنيست، وعندها، يتحول الأقصى إلى ساحة صراع ديني مفتوح، وتغدو القدس بؤرة مواجهة متصاعدة”.
وختم بالتأكيد على أن “المواجهة في هذه المرحلة لا تملك سوى خيار تعزيز الوجود الفلسطيني في الأقصى، عبر الرباط والنفير، باعتبارهما خط الدفاع الأخير في معركة تتجاوز حدود الزمان والمكان، نحو صراع وجودي على هوية القدس ومستقبلها”.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY