Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

المجمعات الانتخابية لفتح في الضفة.. استنهاض للحركة أم خشية من تشظّي الأصوات؟

تكثّف حركة “فتح”، في الآونة الأخيرة، لقاءاتها وتجمعاتها التنظيمية والجماهيرية، بالتوازي مع ما يُعرف بـ”المجمعات الانتخابية”، في مشهد يوحي، للوهلة الأولى، بقدرة الحركة على الحشد واستعادة حضورها الشعبي.

إلا أن هذه التحركات تبدو، في قراءة أخرى، مرتبطة بحالة من القلق الداخلي مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، لا سيما في ظل المخاوف من شكل القوائم الانتخابية، وإمكانية أن تؤدي الخلافات حول المرشحين إلى تشظّي الصوت الفتحاوي.

وفي قراءة من داخل حركة “فتح”، قال قيادي، _فضّل عدم ذكر اسمه_، إن تكثيف اللقاءات والتجمعات خلال هذه المرحلة لا يمكن فصله عن الاستعدادات للانتخابات والمخاوف المتزايدة بشأن شكل القوائم الانتخابية المقبلة.

وأوضح القيادي لـ”قدس برس” أن الحركة تحاول، من خلال هذه اللقاءات، إعادة ترتيب صفوفها وقياس مستوى الالتزام التنظيمي، في ظل إدراك متزايد بأن المعركة الانتخابية المقبلة قد تكون أكثر تعقيدًا مما يوحي به حجم الحضور في الفعاليات الجماهيرية.

وأضاف أن “الحشود الكبيرة لا تعني بالضرورة أن الأمور داخل الحركة تسير بصورة مريحة”، مشيرًا إلى وجود حالة من الترقب والقلق لدى قطاعات فتحاوية بشأن معايير اختيار المرشحين، ومن سيجد نفسه داخل القائمة الرسمية ومن سيكون خارجها.

واعتبر أن الخشية الحقيقية تكمن في أن يؤدي عدم التوافق على القوائم إلى إعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، أو إلى ظهور قوائم موازية تستقطب جزءًا من القاعدة الفتحاوية، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة الحركة جزءًا من أصواتها لمصلحة منافسين، أو حتى لمصلحة مرشحين محسوبين عليها.

ورأى القيادي أن ما يجري حاليًا يمثل محاولة مزدوجة لرفع مستوى الجاهزية التنظيمية واحتواء المخاوف قبل الوصول إلى مرحلة الحسم، مؤكدًا أن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة الحركة على تنظيم تجمعات ضخمة، وإنما في قدرتها على الحفاظ على وحدة صفها وتحويل هذا الحضور إلى أصوات انتخابية.

وأضاف: “هناك حاجة فعلية إلى استعادة الثقة داخل القاعدة الفتحاوية”، معتبرًا أن أي قائمة لا تحظى بقبول واسع داخل الحركة قد تجد نفسها أمام مشكلة أكبر من مجرد المنافسة الخارجية، تتمثل في فقدان جزء من أصوات الحركة نتيجة التذمر أو الانقسام أو العزوف.

وختم القيادي بالقول: “إن الحراك الفتحاوي الحالي يمكن قراءته باعتباره استعدادًا انتخابيًا تحكمه المخاوف بقدر ما تحكمه الثقة؛ مخاوف من القوائم، ومن الانقسامات الداخلية، ومن تسرب الأصوات، ومن أن تكون الحشود الكبيرة أكبر من القوة الانتخابية الفعلية”.

وأضاف أن “الاختبار الحقيقي لفتح لن يكون في قدرتها على ملء الساحات والقاعات، وإنما في قدرتها على الخروج بقائمة موحدة، والحفاظ على قواعدها خلفها، ومنع الخلافات الداخلية من تحويل الحضور الجماهيري الكبير إلى أصوات متفرقة يوم الاقتراع”.

انتقادات داخلية لآلية المجمعات

وفي منشور له تابعتْه “قدس برس”، وجّه القيادي في حركة “فتح”، سرحان دويكات، انتقادًا لما وصفه بالفجوة بين ما يجري في المجمعات الانتخابية وبين آليات الإعداد والانتقاء الفعلية للمرشحين.

واعتبر دويكات أن “المجمعات الانتخابية تجري في وادٍ، فيما تجري التحضيرات والانتقاء في غرف اعتدنا ألا نراها”، مرجعًا ذلك، بحسب ما كتب، إلى ما وصفه بـ”تغول السلطة التنفيذية على مختلف مكونات نواة الدولة”.

وتساءل دويكات: “أي عقل يستوعب أن يختار صاحب الصلاحيات الواسعة أداة رقابية تحد من صلاحياته؟”، معتبرًا أن ما يجري قد لا يتجاوز، في بعض جوانبه، إطار “شاورهم الأمر وخالفهم”، مستندًا إلى ما وصفها بـ”تجربة واسعة للحركة في هذا المجال”.

وأضاف أن معايير الانتقاء قد لا تتجاوز، في بعض الحالات، “بعض الصور التجميلية لأصحاب التاريخ”، فيما يبقى التحكم والحسم بيد من وصفهم بأنهم “لا يستطيعون المواجهة عندما يتطلب الموقف رأيًا وموقفًا”.

وشدد القيادي الفتحاوي على أن المطلوب ليس مجرد تشكيل مجلس نيابي، وإنما مجلس يكون مدخلًا لإعادة توحيد حركة فتح، ومن ثم الإسهام في توحيد الشعب الفلسطيني.

وختم بالقول: “نريد مجلسًا يمثل الشعب، يراقب ويشرّع، وينهض بالمواطن، ولا يخشى أعضاؤه في الحق لومة لائم”.

جدل حول معايير تشكيل المجمعات

من جانبه، يرى الكاتب مروان طوباسي أن ما جرى مؤخرًا في بعض الدول، وما يجري التحضير له في ساحات أخرى، يثير ملاحظات جدية حول ما يُسمى بـ”المجمعات الانتخابية”، من حيث معايير تشكيلها وعضويتها ومدى تمثيلها الفعلي للفلسطينيين، إضافة إلى مرجعية الجهات المشرفة عليها ودورها.

ويؤكد طوباسي، في مقال له تابعته “قدس برس”، أن مجرد إطلاق صفة “مجمع انتخابي” على تجمع ما لا يجعله ممثلًا لمكونات المجتمع الفلسطيني، مشيرًا إلى وجود اتحادات وأطر ومؤسسات وكفاءات فلسطينية في الشتات نشأت على مدار عقود، وينبغي احترام استقلاليتها وإشراكها في بناء آليات التمثيل الوطني.

ويشدد على أن الأصل هو الانتخاب الحر والمباشر والديمقراطي والشفاف، وأنه حيث تمنع قوانين الدول المضيفة ذلك، يمكن اعتماد صيغ توافقية واسعة تضمن مشاركة مختلف المكونات والكفاءات الوطنية.

وفي السياق الداخلي، يرى طوباسي أن الإشكالية تظهر بصورة مختلفة مع التوجه لتشكيل “مجمعات انتخابية فتحاوية” في المحافظات لاختيار مرشحي حركة فتح للانتخابات التشريعية.

ورغم أن إشراك القواعد الحركية يُعد، برأيه، أفضل من التعيين من أعلى، فإن هذه الآلية تحتاج إلى نقاش ومراجعة داخل أطر فتح وهياكلها، بما فيها المجلسان الثوري والاستشاري والمجالس الحركية.

ويشير إلى أن الانتخابات التشريعية تقوم على التمثيل النسبي واعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة، بينما تقوم المجمعات المقترحة على أساس جغرافي ومحافظاتي، الأمر الذي قد يعيد إنتاج موازين القوى ومراكز النفوذ، ويغلب منطق الحصص على وحدة الوطن والبرنامج والكفاءة والحضور النضالي والمجتمعي.

كما يرى أن هذه الآلية قد تحد من فرص الشباب والمرأة والطاقات الجديدة، وتؤدي إلى إعادة تدوير أسماء سبق أن استنفدت حضورها في تجارب انتخابية سابقة.

بين الاستنهاض والقلق الانتخابي

وتأتي هذه النقاشات في ظل تصاعد الحديث عن تجربة المجمعات الانتخابية كآلية لاختيار ممثلين ومرشحين فلسطينيين، سواء في ساحات الشتات أو في الداخل الفلسطيني.

ففي الخارج، أثارت بعض التجارب الأخيرة تساؤلات حول معايير تشكيل هذه المجمعات، ومدى تمثيلها لمختلف مكونات الجاليات الفلسطينية، والجهات التي تتولى الإشراف عليها.

وفي الداخل، يتجدد الجدل مع التوجه لتشكيل مجمعات انتخابية فتحاوية في المحافظات لاختيار مرشحي الحركة للانتخابات التشريعية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذه الآلية على تحقيق تمثيل تنظيمي واسع، وتجاوز الخلافات الداخلية، وضمان التوافق على القوائم الانتخابية.

وبينما تبدو التحركات الجماهيرية والتنظيمية الحالية محاولة لإظهار الجاهزية واستنهاض القاعدة الفتحاوية، فإن النقاشات الداخلية تكشف، في المقابل، عن تحديات تتعلق بآليات اختيار المرشحين، وشكل القوائم، ومدى قدرة الحركة على الحفاظ على تماسك قاعدتها الانتخابية.

وعليه، فإن نجاح هذه التجربة لن يُقاس فقط بحجم المشاركة في المجمعات أو الحضور في الفعاليات، بل بمدى انعكاسها على وحدة الحركة، وقبول قواعدها بمخرجاتها، وقدرتها على خوض الاستحقاق الانتخابي بقائمة تحظى بتوافق داخلي واسع.

وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أصدر في تموز/يوليو الماضي مرسومًا رئاسيًا دعا فيه إلى إجراء انتخابات تشريعية في “الوطن” والشتات يوم السبت الموافق 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بحيث تشمل الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الجاليات الفلسطينية في الخارج عبر آليات انتخابية يجري التوافق عليها.

وجاءت الدعوة في سياق ضغوط سياسية ودبلوماسية مورست على السلطة الفلسطينية من أطراف دولية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لدفعها نحو تجديد الشرعية المؤسسية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. كما ربطت مصادر مطلعة بين تحديد موعد الانتخابات وبين مساعٍ رسمية لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، وسط تساؤلات حول قدرة السلطة على ضمان مشاركة الفلسطينيين في الشتات، وآليات إشراكهم في العملية الانتخابية، ومدى شمولها لعموم ساحات الوجود الفلسطيني.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY