تصعد قوات الاحتلال الإسرائيلي لعمليات الاقتحام والتنكيل في مناطق الريف الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، وهي مناطق مصنفة بحسب اتفاقية أوسلو تحت بند (ب) وتتبع إدارياً للسلطة الفلسطينية، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان ذلك محاكاة لفرض التهجير ولاحقا الضم والسيادة الإسرائيلية التي تحدّث عنها وزير مالية الاحتلال الإسرائيلي “بتسلئيل سموتريتش” مرات عديدة.
المئات من جنود الاحتلال الإسرائيلي يقتحمون تحت جنح الظلام وستار من طائرات المراقبة المُسيرة بلدة أو قرية فلسطينية من جهاتها كافة، وينتشرون في شوارعها وأزقتها ويعتلون أسطح بناياتها، ويرفعون العلم الإسرائيلي، في الوقت الذي تبدأ وحدات مدججة بالسلاح بمداهمة المنازل والعبث بمحتوياتها وإجراء تحقيق مع الأهالي يتخلله ضرب مبرح.
يُزجّ بالعشرات من الشبان والرجال في ساحة عامة أو باحة مدرسة البلدة، ويُحقّق معهم أيضاً، ومع بزوغ الفجر تبدأ تلك القوات بالانسحاب تدريجياً، لكنها في مواقع أخرى تمكث ليوم أو يومين، دون اتضاح السبب وراء تلك العمليات العدوانية، ما يترك الناس في حيرة من أمرهم.
هذا السيناريو بات يتكرر مؤخراً في عدد من القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، خاصة تلك الواقعة على مقربة من المستوطنات أو الطرق الالتفافية والخارجية، ما يُفسر على أنه محاولات “ردع استباقي” للفلسطينيين في حال تعرضوا للمستوطنين أو عمد الشبان إلى رشق الحجارة على مركباتهم خلال مرورهم بالقرب من المنطقة، في حين يراه آخرون “تدريبات” لوحدات جديدة في جيش الاحتلال على اقتحام المناطق المأهولة والتعامل مع السكان، بالتزامن مع قرار فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
حصار وشل للحياة
فقد تعرضت قرية “برقة” إلى الشمال من مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، ليلة وفجر الخميس العاشر من أيلول/ اغسطس الماضي لعملية عسكرية واسعة، نتج عنها مداهمة ما لا يقل عن خمسين منزلاً، واعتقال نحو ثلاثين مواطنا من مختلف الأعمار، وإخضاع العشرات من الشبان والرجال لتحقيق ميداني، كما تعرض آخرون لإصابات جسدية نتيجة الضرب المبرح خلال التحقيق، ما استدعى نقلهم للمستشفى.
ويقول الناشط سامي دغلس، أحد سكان القرية، لـ”قدس برس”، إن ما جرى يمكن وصفه بعملية عسكرية مصغرة، فقد تحولت برقة إلى “ثكنة” لجنود الاحتلال الذين انتشروا في أحيائها وشوارعها كافة، وسيطروا على بعض البنايات، كما قطعوا الطريق عليها وحالوا دون دخول أو خروج أحد منها، لافتاً إلى أن فرقاً مكونة من 7 إلى 10 جنود، كانت تقتحم البيوت تباعاً، وتخرب الأثاث بحجة التفتيش وتعتدي جسدياً ولفظياً على السكان، وسط حالة من الرعب بين الأهالي.
ويؤكد دغلس أن ما يفعله الاحتلال يندرج ضمن سياسات ممنهجة تهدف إلى تكريس حالة من الردع والإرهاب النفسي ضد الفلسطينيين. وهو ما ظهر من خلال التهديد والوعيد الذي كان يوجهه الضباط للآباء والمعلمين من أن إقدام أبنائهم أو تلاميذهم على رشق آليات الاحتلال أو سيارات المستوطنين خلال مرورها بالقرب من القرية بالحجارة، سيكون عقابه عسيراً، على حد تعبيرهم.
ترسيخ واقع جديد
ويعتقد دغلس أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الاقتحامات إلى ترسيخ واقع جديد، يتمثل في جعل الفلسطيني يعيش تحت تهديد دائم، إذ يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بتحويل منازل الفلسطينيين إلى ثكنات عسكرية، ويقيد حرياتهم، ويشل حركة القرى والمدن بالكامل.
ويشير دغلس إلى أن كثرة الاقتحامات اليومية تهدف إلى خلق صورة ذهنية لدى الفلسطينيين بأن الاحتلال حاضر في كل لحظة وفي أي مكان، سواء في المنازل أو الشوارع أو حتى المساجد والمدارس، قائلاً: “وصلنا إلى مرحلة من كثرة الاقتحامات بات الفلسطيني لا يكترث بها وكأنها جزء من حياته اليومية”.
ويرى دغلس أن هذه السياسة لها تأثير عميق على نفسية الفلسطينيين، إذ أصبحت أولى خطواتهم عند الاستيقاظ من النوم هي التحقق من الأخبار المتعلقة بالاقتحامات والاعتقالات، ويقول: “باتت هذه الاقتحامات جزءاً من روتيننا اليومي الذي فرضه الاحتلال علينا”.
رعب حقيقي
ومن شمال نابلس إلى جنوبها، عاشت قرية “مادما” مؤخرا يومين من الرعب الحقيقي، بعد أن اجتاحتها قوات الاحتلال، وفرضت إغلاقاً تاماً عليها وفرضت حظر التجوال، ومنعت السكان من الخروج من بيوتهم.
ويقول الناشط صدقي نصار لـ”قدس برس” إن المواطنين أفاقوا على اقتحام أكثر من 300 جندي مشاة، واعتلائهم أسطح المنازل مع قناصة، رافعين علم دولة الاحتلال على الأبنية.
ويوضح أن الاحتلال داهم أكثر من نصف منازل القرية وعبث فيها وحول بعضها إلى ثكنات عسكرية ومراكز لعمليات تحقيق تتضمّن تفتيشاً للهواتف المحمولة.
وكانت قوات الاحتلال تقتاد كل من تجد في هاتفه تطبيق “تليغرام” لمركز تحقيق ميداني. وهذا الإجراء الأخير عمدت قوات الاحتلال إلى استخدامه في الضفة الغربية على نطاق واسع، في ظل حالة السعار التي أصابت جنود جيش الاحتلال منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إذ باتت حيازة التطبيق الإخباري أشبه بتهمة، وكثيراً ما تعرض الفلسطينيون لعمليات تعذيب بسبب العثور على التطبيق في هواتفهم.
ويشير الناشط نصار إلى أن قوات الاحتلال كانت قد وزعت منشورات تهدد المواطنين بشكل مباشر، كما تعرض آخرون إلى تهديد شفهي مباشر. ويؤكد أن الاحتلال يتعمد سياسية الترهيب والتدمير والتخريب وبث الرعب في قلوب الصغار قبل الكبار، وذلك من أجل إرضاء مستوطني مستوطنة “يتسهار” المقامة على أراضي قرى جنوب نابلس، وتأمين هجماتهم على القرى والبلدات الفلسطينية.
بروفة المرحلة المقبلة في الضفة
يقول المختص في الشؤون الإسرائيلية عزام أبو العدس إن ما يجري في أرياف الضفة يشكل “بروفة” للمرحلة المقبلة، خاصة مع مواصلة وزير مالية حكومة الاحتلال “بتسلئيل سموترتيش” اجراءاته الهادفة لضم الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.
ويرى المختص أن “التطبيق العملي للقرار بدأ عبر فرض أمر واقع جديد، بحيث يبقى جنود الاحتلال بشكل دائم في المناطق السكنية”.
ويضيف: “لا شك في أن الاحتلال يسعى لإرهاب الناس وتخويفهم، وإرسال رسالة لهم أننا قادرون على اقتحام أي منطقة وملاحقة أي مقاوم في كل مكان، ويريد الاحتلال فرض (ردع استباقي)، وتحذير الفلسطينيين من مجرد التفكير بمقارعة الجنود أو المستوطنين، والتعرض لهم خلال مرورهم بالقرب من المناطق الفلسطينية”.
ويشير أبو العدس إلى أن هذه الاقتحامات ليست رد فعل بسيطاً على أحداث فردية، مثل رشق الحجارة على المستوطنين أو قوات الاحتلال، بل هي سياسة مقصودة تهدف إلى إيصال رسالة للمجتمع الفلسطيني، سواء في القرى الريفية أو المناطق المدنية، مفادها بأن حياة المستوطن الإسرائيلي أكثر أهمية من الفلسطيني بكل المقاييس. ويوضح أن الاحتلال يهدف إلى جعل هذه الانتهاكات تبدو وكأنها روتين يومي، حيث يتعمد الجيش أحياناً تنفيذ اقتحامات دون هدف واضح، مكتفياً بإظهار وجوده المستمر لفرض الهيمنة على الحياة اليومية للفلسطينيين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY