Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الرجوب يعود إلى أمانة سر”فتح”.. تسوية مؤقتة أم إعادة رسم لموازين القوة؟

لم تكن عودة القيادي جبريل الرجوب إلى اجتماعات اللجنة المركزية لحركة “فتح” مجرد عودة عضو قيادي إلى مقعده، كما أن انتخابه أمينًا لسر اللجنة بالإجماع لا يبدو تفصيلًا تنظيميًا عابرًا.

وجاءت الخطوة بعد أسابيع من مقاطعة الرجوب اجتماعات اللجنة المركزية، في اجتماع ترأسه حسين الشيخ، الذي أصبح منذ المؤتمر الثامن للحركة نائبًا لرئيسها، بما يعكس محاولة لاحتواء الخلافات داخل القيادة في مرحلة سياسية وتنظيمية شديدة الحساسية.

وتتزامن هذه التطورات مع استعداد “فتح” للانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وتصاعد النقاش داخل الحركة حول موازين القوى وترتيبات المرحلة المقبلة، بما في ذلك سؤال القيادة بعد الرئيس محمود عباس.

من المقاطعة إلى أمانة السر

بدأت الخلافات داخل اللجنة المركزية الجديدة عقب المؤتمر الثامن للحركة، ولا سيما على خلفية توزيع المسؤوليات والمفوضيات وانتخاب حسين الشيخ نائبًا لرئيس “فتح”.

وقاطع الرجوب، إلى جانب محمود العالول، اجتماعات اللجنة المركزية، في خطوة عكست وجود تباينات داخل القيادة بشأن آليات اتخاذ القرار ومستقبل توزيع النفوذ داخل الحركة.

وكان الرجوب قد انتقد ما وصفه بـ”النهج القسري” في إدارة الملفات، مؤكدًا تمسكه بجماعية القرار داخل الحركة، ما جعل مقاطعته للاجتماعات تتجاوز حدود الخلاف الشخصي لتأخذ طابعًا تنظيميًا وسياسيًا.

لكن المشهد تبدل خلال الاجتماع الأخير، مع عودة الرجوب إلى اجتماعات المركزية وانتخابه بالإجماع أمينًا لسرها، فيما ترأس حسين الشيخ الاجتماع، بينما بقي محمود العالول خارج الاجتماعات.

عودة إلى قلب صناعة القرار

لا تكمن أهمية الخطوة في عودة الرجوب إلى اجتماعات اللجنة المركزية فحسب، وإنما في الموقع الذي عاد إليه.

فالرجوب لم يعد مجرد عضو في القيادة، بل استعاد منصب أمين سر اللجنة المركزية، وهو موقع سبق أن شغله لسنوات ويمنحه حضورًا مباشرًا في إدارة الملفات التنظيمية للحركة.

ومن هذه الزاوية، يصعب اعتبار انتخابه مجرد إجراء لسد شاغر تنظيمي؛ إذ كان بالإمكان الاكتفاء بعودته إلى الاجتماعات لإنهاء حالة المقاطعة.

أما إعادة انتخابه أمينًا للسر، وبالإجماع، فتشير إلى رغبة في إعادة إدماجه شريكًا أساسيًا في إدارة الحركة، أو على الأقل إلى إدراك لأهمية موقعه التنظيمي والسياسي داخل “فتح”.

وبذلك، فإن إعادة ترتيب القيادة الفتحاوية لم تستطع تجاوز الوزن التنظيمي والسياسي للرجوب، ما يجعل عودته عنصرًا مهمًا في قراءة موازين القوى داخل الحركة.

حسين الشيخ لم يخسر موقعه

مع ذلك، فإن قراءة التطور باعتباره انتصارًا للرجوب على حسين الشيخ تبدو مبالغة؛ فالشيخ لم يتراجع عن موقعه نائبًا لرئيس الحركة، بل ترأس الاجتماع الذي شهد عودة الرجوب وانتخابه أمينًا للسر.

وبالتالي، فإن المشهد الحالي لا يعكس إزاحة طرف لمصلحة آخر، بقدر ما يعكس صيغة جديدة لتوزيع الأدوار بين مركزَي قوة داخل قيادة “فتح”.

فالشيخ يحتفظ بموقع متقدم في هرم القيادة، بينما يستعيد الرجوب موقعًا تنظيميًا مركزيًا.

وهذه الصيغة تفتح الباب أمام احتمالين: إما أن تكون تسوية مرحلية فرضتها الحاجة إلى إنهاء الخلافات الداخلية وتعزيز تماسك الحركة قبل الانتخابات، أو أن تكون بداية لإعادة تشكيل فعلية لموازين القوة داخل “فتح”.

تسوية أم هدنة؟

لا توجد، وفق المعلومات المعلنة، تفاصيل موثوقة بشأن اتفاق سياسي أو تنظيمي بين الرجوب والشيخ سبق عودة الأول إلى اجتماعات اللجنة المركزية، ولذلك يصعب الجزم بوجود “صفقة” بين الطرفين.

لكن المعطيات السياسية تسمح بطرح فرضية التسوية المرحلية.

فالشيخ يحتاج إلى لجنة مركزية أكثر تماسكًا في وقت تستعد فيه “فتح” لخوض الانتخابات التشريعية، بينما يحتاج الرجوب إلى العودة إلى مركز صناعة القرار بدل البقاء في موقع المعترض من الخارج.

وبذلك، قد يكون الطرفان توصلا إلى صيغة تسمح لكل منهما بالحفاظ على موقعه ونفوذه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء التنافس بينهما.

وقد تكون عودة الرجوب انتقالًا بالخلاف من مرحلة المقاطعة العلنية إلى مرحلة إدارة التنافس من داخل المؤسسة.

تقاطع مصالح بين منافسين

ويرى الكاتب والمحلل السياسي نبهان خريشة أن العلاقة بين الرجوب والشيخ لا يمكن فصلها عن المعادلة الأوسع المتعلقة بالمرحلة التي ستلي الرئيس محمود عباس.

وتقوم هذه القراءة على أن التقارب بين الرجلين قد يمثل تقاطعًا مرحليًا في المصالح، رغم امتلاك كل منهما حساباته وطموحاته السياسية.

وبمعنى آخر، فإن وجودهما في قيادة واحدة لا يعني بالضرورة انتهاء التنافس، وإنما قد يعني أن الظروف الحالية تفرض عليهما التعاون في ملفات محددة قبل أن تعود المنافسة إلى الواجهة عند استحقاقات سياسية أكبر.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة الرجوب إلى أمانة السر قد لا تكون نهاية للخلاف، بل انتقالًا به من مرحلة المواجهة التنظيمية إلى التنافس داخل مؤسسات الحركة.

الخلافة.. السؤال الذي يظل حاضرًا

يصعب فصل إعادة ترتيب قيادة “فتح” عن سؤال المرحلة التالية للرئيس محمود عباس.

فانتخاب حسين الشيخ نائبًا لرئيس الحركة لم يكن مجرد تعديل تنظيمي، بل حمل دلالة سياسية، خصوصًا في ظل ارتباط منصب نائب الرئيس بترتيبات المرحلة المقبلة.

في المقابل، لا يزال الرجوب يمتلك وزنًا تنظيميًا وسياسيًا داخل الحركة، بحكم موقعه وتاريخه الطويل فيها وعلاقاته داخل أطرها التنظيمية.

ولهذا، فإن التنافس بين الرجلين لا يتعلق فقط بموقع داخل اللجنة المركزية، وإنما يرتبط أيضًا بامتلاك القدرة على بناء قاعدة نفوذ سياسية وتنظيمية يمكن أن تمنح صاحبها دورًا أكبر في المرحلة المقبلة.

لكن من المبكر القفز إلى استنتاج أن معركة الخلافة حُسمت أو أنها باتت محصورة بين الرجلين؛ إذ تظل موازين القوى داخل «فتح» قابلة للتغير بفعل الانتخابات والتحالفات والتطورات الفلسطينية والإقليمية والدولية.

الأزمة أكبر من صراع الأشخاص

في المقابل، يضع الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري الخلافات الحالية داخل إطار أوسع، معتبرًا أن أزمة “فتح” لا تختصر في المنافسة على المناصب، وإنما ترتبط بأزمة أعمق تتعلق بهوية الحركة وبرنامجها السياسي وطبيعة دورها في النظام السياسي الفلسطيني.

ومن هذه الزاوية، فإن عودة الرجوب إلى أمانة السر قد تعيد ترتيب جزء من موازين القوى داخل الحركة، لكنها لا تعني بالضرورة حل أزمتها السياسية والتنظيمية.

ويبرز هنا سؤال أكثر جوهرية: هل تقتصر عملية إعادة ترتيب “فتح” على توزيع المواقع بين قياداتها، أم تمتد إلى إعادة بناء الحركة سياسيًا وتنظيميًا؟

فالتركيز على الأشخاص والمناصب لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع معالجة قضايا البرنامج السياسي والشرعية والعلاقة مع القاعدة الشعبية الفلسطينية.

الانتخابات التشريعية تدخل على خط الأزمة

تأتي عودة الرجوب في توقيت بالغ الحساسية، مع استعداد “فتح” لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وتمثل الانتخابات اختبارًا لتركيبة القيادة الجديدة بعد المؤتمر الثامن، كما ستكون اختبارًا لمستوى التماسك الداخلي وقدرة الحركة على إدارة التنافس بين أجنحتها وتياراتها المختلفة.

فالاستحقاق الانتخابي لا يتعلق فقط بالتصويت، وإنما يفتح ملفات تشكيل القوائم، واختيار المرشحين، وترتيب المواقع، وإدارة المحافظات، وضبط التنافس الداخلي.

وهنا يمكن أن يتحول منصب أمين سر اللجنة المركزية إلى موقع مؤثر في إدارة العملية الانتخابية والتنظيمية، إذا كان الرجوب حاضرًا بقوة في هذه الملفات.

القائمة الفتحاوية.. الاختبار الأول

ستكون طريقة تشكيل قائمة “فتح” الانتخابية واحدة من أهم المؤشرات على حقيقة موازين القوة الجديدة داخل الحركة.

فإذا ظهر الرجوب لاعبًا مؤثرًا في اختيار المرشحين وترتيب القائمة وإدارة الملفات التنظيمية المرتبطة بالانتخابات، فقد يعني ذلك أن عودته إلى أمانة السر كانت جزءًا من إعادة توزيع النفوذ.

أما إذا ظل دوره محصورًا في الإطار التنظيمي، بينما بقي القرار السياسي والانتخابي متركزًا في دائرة حسين الشيخ، فقد تبدو الخطوة أقرب إلى تسوية تهدف إلى احتواء اعتراضه وضمان تماسك القيادة.

وعليه، قد تكون تركيبة القائمة الانتخابية أكثر قدرة على كشف موازين القوة الحقيقية داخل «فتح» من صورة الاجتماع الذي شهد عودة الرجوب.

ماذا عن محمود العالول؟

يبقى موقف محمود العالول أحد العناصر المهمة في قراءة التطورات الأخيرة.

فالرجوب والعالول كانا في خندق واحد خلال مقاطعة اجتماعات اللجنة المركزية، لكن الرجوب عاد إلى الاجتماعات واستعاد منصب أمين السر، فيما ظل العالول خارجها.

وقد يعني ذلك أن القيادة نجحت في الوصول إلى صيغة مع الرجوب دون أن تكون قد أنهت جميع نقاط الخلاف داخل اللجنة المركزية.

كما قد يشير إلى محاولة تفكيك حالة الاعتراض داخل الحركة والتعامل مع كل شخصية بصورة منفصلة، بدل مواجهتها باعتبارها كتلة واحدة.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

يمكن قراءة المرحلة المقبلة داخل “فتح” من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول: تسوية مؤقتة.

يعود الرجوب إلى أمانة السر ويشارك في إدارة الحركة، بينما يحتفظ حسين الشيخ بموقعه ونفوذه، وتكون الأولوية في هذه المرحلة لتوحيد صفوف “فتح” والاستعداد للانتخابات.

الثاني: إعادة توزيع حقيقية للقوة.

يتحول الرجوب إلى شريك أساسي في صناعة القرار، ويظهر نفوذه في تشكيل القوائم الانتخابية وإدارة الملفات التنظيمية، بما يؤدي إلى خلق توازن جديد داخل الحركة.

الثالث: تحالف مرحلي يسبق منافسة أكبر.

يتعاون الشيخ والرجوب في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحهما، لكن التنافس يعود إلى الواجهة مع اقتراب الاستحقاقات المتعلقة بالخلافة وترتيبات المرحلة التالية للرئيس عباس.

ما بعد الانتخابات قد يكون أهم من الانتخابات نفسها

حتى إذا نجحت “فتح” في إدارة الانتخابات التشريعية من دون انقسامات كبيرة، فإن النتائج ستعيد تشكيل البيئة السياسية الفلسطينية، وقد تؤثر في موازين القوى داخل الحركة نفسها.

ففي حال حققت “فتح” نتيجة قوية، قد يعزز ذلك موقع القيادة الحالية، بينما قد تفتح النتائج الضعيفة الباب أمام مراجعات داخلية وتحميل المسؤوليات عن الأداء الانتخابي.

وفي كلتا الحالتين، سيكون لكل من الشيخ والرجوب مصلحة في إثبات قدرته على إدارة الحركة وحشد قواعدها وتنظيم صفوفها.

ولهذا، لن تكون الانتخابات مجرد معركة بين “فتح” وخصومها، بل قد تتحول أيضًا إلى اختبار داخلي غير معلن بين مراكز القوى داخل الحركة.

عودة الرجوب لا تعني نهاية المنافسة

تكشف عودة جبريل الرجوب إلى اللجنة المركزية وانتخابه أمينًا للسر بالإجماع عن قدرة “فتح” على احتواء جزء من خلافاتها الداخلية، لكنها لا تثبت أن التنافس داخل القيادة قد انتهى.

فالرجوب عاد إلى موقعه، لكن حسين الشيخ بقي في موقعه أيضًا، ما يجعل الصيغة الحالية أقرب إلى إدارة التنافس منها إلى حسمه.

ويحتاج الرجوب إلى المؤسسة للحفاظ على موقعه في معادلة المستقبل، بينما يحتاج الشيخ إلى تماسك الحركة في مواجهة الانتخابات والاستحقاقات المقبلة.

أما سؤال الخلافة، فيبقى حاضرًا خلف المشهد، وإن كان من المبكر القول إن معركة حسمه بدأت بصورة مباشرة بين الرجلين.

وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة: من سيؤثر في تشكيل القائمة الانتخابية؟ ومن سيتمكن من حشد قواعد «فتح»؟ ومن سيمتلك القدرة الأكبر على إدارة الملفات التنظيمية والمحافظات؟ ومن سيخرج من الانتخابات أكثر قوة داخل الحركة؟

عندها فقط يمكن تحديد ما إذا كانت عودة الرجوب إلى أمانة السر مجرد تسوية مؤقتة، أم أنها كانت بداية فعلية لإعادة توزيع موازين القوة داخل “فتح”.

وفي الحالتين، فإن ما جرى يؤكد أن سؤال “اليوم التالي” لمحمود عباس لم يعد منفصلًا عن تفاصيل الصراع التنظيمي داخل الحركة، وأن الانتخابات التشريعية المقبلة قد تشكل إحدى أبرز المحطات التي ستكشف ملامح القيادة الفتحاوية في المرحلة التالية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY