Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الدمار لم يحسم المعركة الأمنية.. ماذا تكشف عملية “الكتيبة” عن الحرب الاستخبارية في غزة؟

في واحدة من أكثر العمليات الأمنية إثارة للجدل منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، دخلت قوة إسرائيلية خاصة، أمس الثلاثاء، إلى منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، في محاولة لتنفيذ مهمة أمنية استهدفت شخصية مرتبطة بالمقاومة، قبل أن ينكشف أمرها وتتحول العملية إلى اشتباك ميداني، أعقبه قصف إسرائيلي مكثف للمنطقة لتأمين انسحاب القوة.

وبحسب مصادر أمنية فلسطينية، تمكنت الأجهزة الأمنية من اكتشاف القوة الخاصة قبل وصولها إلى هدفها الأساسي، ما أدى إلى إفشال المهمة ودخول عناصر من المقاومة في مواجهة معها.

وأكد مصدر أمني أن الشخصية المستهدفة نجت من العملية، فيما لجأ الاحتلال إلى شن غارات مكثفة على المنطقة لتغطية تحرك القوة وانسحابها.

وتكشف تفاصيل العملية، وفق الرواية الفلسطينية، عن طبيعة مختلفة للمواجهة؛ فبعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، وما رافقها من دمار واسع واستخدام الاحتلال قدرات عسكرية واستخبارية كبيرة في قطاع غزة، لا تزال العمليات النوعية داخل المناطق التي تنشط فيها المقاومة تمثل تحديًا بالغ الصعوبة أمام أجهزة الاحتلال.

لكن العملية حملت، في المقابل، نتيجة جزئية لصالح الاحتلال؛ إذ أفادت مصادر إسرائيلية بأنه تمكن من اعتقال مسؤول أمني فلسطيني خلال العملية، فيما نفت مصادر فلسطينية أن يكون المعتقل هو مدير جهاز الأمن الداخلي، وقالت إن القوة اختطفت أحد ضباط الجهاز بعد استهداف منزله.

لماذا الآن؟

يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن العمليات العسكرية والأمنية لا تُقاس جميعها بما يحدث لحظة إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الأسئلة التي تتركها العملية خلفها قد تكون أحيانًا أهم من نتائجها المباشرة.

وقال عفيفة لـ”قدس برس” إن العملية الأمنية التي شهدتها منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، والتي حاولت خلالها قوة إسرائيلية خاصة الوصول إلى مسؤول أمني كان يتبع للحكومة الإدارية السابقة في القطاع، تبدو، وفق المعطيات المتداولة، محاولة للانتقال من الاستهداف الجوي إلى محاولة الأسر أو التصفية ميدانيًا.

وتساءل: لماذا تخاطر حكومة الاحتلال بتنفيذ عملية من هذا النوع داخل واحدة من أكثر مناطق غزة اكتظاظًا ومراقبة؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديدًا؟

وأضاف أن جزءًا من الإجابة قد يرتبط بالتوقيت السياسي، إذ تدخل حكومة بنيامين نتنياهو الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، في وقت يحتاج فيه نتنياهو وائتلافه إلى تحقيق ما يمكن تقديمه للناخب باعتباره «إنجازات» أمنية وعسكرية.

وأوضح أنه في مثل هذه المراحل، تصبح العمليات النوعية والاغتيالات والاختراقات الاستخبارية مادة سياسية لا تقل أهمية عن قيمتها الميدانية.

لكنه حذر من اختزال العملية في بعدها الانتخابي، مؤكدًا أن الأهم هو أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تبدو منشغلة بمحاولة إعادة بناء بنك معلوماتها حول غزة في مرحلة ما بعد الحرب.

الاعتقال أهم من الاغتيال؟

وأشار عفيفة إلى أن بنية المقاومة الأمنية والعسكرية تعرضت لضربات واسعة خلال الحرب؛ إذ قُتلت قيادات، وتغيرت هياكل، وأُخليت مواقع، وأعيد تشكيل مساحات العمل تحت ضغط الاستهداف والملاحقة المستمرة.

وفي هذا السياق، يصبح الأسر، إذا أمكن تحقيقه، أكثر قيمة استخبارية في بعض الحالات من الاغتيال، بحسب تقديره.

وقال إن الهدف المحتمل قد لا يكون الشخص بحد ذاته، وإنما المعلومات التي يمكن أن تقود إليها عملية اعتقاله، مثل كيفية إعادة المقاومة بناء منظومتها، ومن يتولى المسؤوليات الجديدة، وكيف تنتقل الأوامر، وما الذي تغير في أساليب العمل بعد الضربات التي أصابت بنيتها خلال الحرب.

وأوضح أن عملية بهذا التعقيد في قلب مدينة غزة لا تبدأ لحظة دخول القوة؛ إذ يرجح أن تسبقها أيام، وربما أسابيع، من المراقبة والجهد الاستخباري المكثف، وجمع المعلومات، والرصد الجوي والبشري، قبل اتخاذ قرار التنفيذ.

ويرى أن هذه النقطة ربما تكون من أكثر جوانب العملية التي تستحق التوقف عندها.

وأضاف أنه مع استمرار تضارب الروايات بشأن النتيجة النهائية، فإن الانتقال من جمع المعلومات إلى التنفيذ يعني، على الأرجح، أن الاحتلال اعتقد أنه يمتلك قدرًا كافيًا من المعلومات والثقة يسمح بالمجازفة بتنفيذ عملية داخل بيئة شديدة الخطورة.

وقال إن ذلك يكشف في الوقت ذاته حجم المعضلة الأمنية التي تواجهها المقاومة والأجهزة الأمنية في غزة.

الجغرافيا نفسها أصبحت جزءًا من المعركة

وأوضح عفيفة أن السكان في قطاع غزة باتوا محشورين في مساحة جغرافية محدودة وشديدة الاكتظاظ، في ظل مراقبة جوية واستخبارية إسرائيلية متواصلة.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح الحركة أكثر صعوبة، ويصبح التمويه أقل فاعلية، كما تصبح الأنماط السلوكية المتكررة أكثر قابلية للرصد والتحليل، ما يعني أن الجغرافيا نفسها أصبحت جزءًا من المعركة الاستخبارية.

وتابع أن هياكل العمل وطرق الحركة وآليات الاتصال والحماية الأمنية التي كانت صالحة في السابق قد لا تكون مناسبة للواقع الحالي، مؤكدًا أن البيئة تغيرت جذريًا، وبالتالي فإن منظومة الأمن المضاد تحتاج هي الأخرى إلى إعادة بناء تتناسب مع المعطيات الجديدة.

وأشار إلى أن الاحتلال لا يبحث فقط عن ضرب أهداف، بل يسعى أيضًا إلى اختراق البيئة الجديدة للمقاومة وفهمها من الداخل، معتبرًا أن هذه المعركة مرشحة لأن تزداد تعقيدًا.

وبين أنه حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية على الأقل، ستبقى لدى حكومة نتنياهو دوافع للبحث عن عمليات نوعية يمكن تقديمها باعتبارها دليلًا على استمرار المبادرة والقدرة على الوصول إلى أهداف داخل غزة، خصوصًا إذا استمر الجمود أو تعثرت صورة الإنجاز في ساحات أخرى.

وأردف أن غزة في هذه المرحلة لا تحتاج إلى يقظة أمنية أكبر فحسب، بل إلى مراجعة عميقة لفلسفة العمل الأمني نفسها؛ لأن المعركة قد لا تكون فقط حول من يمتلك القوة النارية الأكبر، وإنما حول من يستطيع أن يرى الآخر دون أن يُرى.

ثلاثة مستويات للعملية

من جانبه، قال الخبير العسكري رامي أبو زبيدة إن العملية يمكن قراءتها ضمن ثلاثة مستويات مترابطة، وليس باعتبارها مجرد محاولة لاعتقال شخصية أمنية، وإنما بوصفها محاولة لاستثمار الهدف البشري للوصول إلى بنية معلوماتية وأمنية أوسع.

وأضاف لـ”قدس برس” أن الوصول إلى مسؤول أمني واعتقاله حيًا داخل مدينة غزة يشير، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى قدرة استخبارية على اختراق البيئة الأمنية المحيطة بالقيادات، وتحديد موقع شخصية يُفترض أنها تتخذ إجراءات احترازية في الحركة والاتصال والظهور.

وأوضح أن أهمية هذه النقطة تكمن في أن نجاح العملية لا يقاس فقط بالوصول إلى الهدف، وإنما بما تكشفه عن مستوى المعرفة الإسرائيلية بالبيئة التي يتحرك فيها، وشبكة الحماية المحيطة به.

وأكد أن استهداف مسؤول يشغل وظيفة أمنية من هذا النوع قد يتجاوز أثره الفردي إلى محاولة إرباك إحدى الآليات التي تعتمد عليها المقاومة في حماية كوادرها، وضبط بيئتها الداخلية، ومواجهة محاولات الاختراق والتجسس.

وأشار إلى أنه من هذا المنظور، تصبح العملية استهدافًا لوظيفة أمنية داخل التنظيم بقدر ما هي استهداف لشخص يشغل هذه الوظيفة.

قيمة المعلومات بعد الاعتقال

وشدد أبو زبيدة على أن الشخص الذي يُقتل تنتهي معه إمكانية استثماره مصدرًا بشريًا مباشرًا للمعلومات، بينما يتيح الاعتقال، من حيث المبدأ، إمكانية الحصول على معلومات قد تتجاوز الشخص ذاته إلى الشبكات التي يعمل ضمنها.

وأوضح أن القيمة الاستخبارية المحتملة قد تشمل معلومات تتعلق بالبنية الأمنية، وطرق الاتصال، وشبكات الحماية، وآليات الحركة والاختفاء، والعلاقات بين المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية.

وأكد أن هذه تبقى فرضيات تقديرية بشأن القيمة الاستخبارية المحتملة للاعتقال، وليست معلومات مؤكدة حول نتائج التحقيق مع المعتقل.

وأردف أنه يمكن تفسير الفارق بين الاستهداف والاعتقال في مثل هذه العمليات؛ فإذا سمحت الظروف الميدانية بالوصول إلى الهدف حيًا، فإن القيمة لا تكمن فقط في تحييد فرد، وإنما في إمكانية تحويله إلى مدخل للحصول على معلومات تساعد في تفكيك شبكة أوسع.

رسالة مزدوجة

وبيّن أن العملية تحمل، من وجهة نظره، رسالة استخبارية وأمنية مزدوجة؛ فمن جهة، تريد إسرائيل القول إنها ما تزال قادرة على الوصول إلى مستويات متقدمة داخل البنية الأمنية للمقاومة في غزة، ومن جهة أخرى، إنها لا تكتفي بتحديد الأهداف، بل تستطيع الوصول إليها والسيطرة عليها حيّة.

وشدد على أنه إذا أثبتت التحقيقات اللاحقة أن الاعتقال أفضى إلى معلومات نوعية، فإن قيمة العملية ستتجاوز بكثير حدود الهدف الذي أُعلن عنه، لتصبح مؤشرًا على مدى الاختراق الاستخباري الإسرائيلي للبيئة الأمنية داخل قطاع غزة.

وبينما لا تزال الروايات بشأن تفاصيل العملية ونتيجتها النهائية متباينة، فإن ما جرى يسلط الضوء على وجه آخر من الحرب في غزة؛ حرب لا تدور فقط في ساحات القتال، وإنما في الظل أيضًا، حيث تتنافس أجهزة الاستخبارات على جمع المعلومات، واكتشاف شبكات الخصم، ومنع الاختراق قبل وقوعه.

وفي هذا النوع من المواجهات، قد لا تكون الغارات والقوة النارية هي العامل الحاسم وحدها، بقدر ما تكون القدرة على حماية المعلومات، وإخفاء الحركة، واكتشاف الاختراقات، وإعادة بناء منظومات الأمن، هي ما يحدد شكل المرحلة المقبلة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY