بين مرسوم رئاسي حدد موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وبيان لحركة “فتح” أكد المضي في الاستحقاق ما لم يضع الاحتلال عراقيل أمامه، تتصاعد في المقابل تقديرات سياسية تتحدث عن احتمال تأجيل الانتخابات، لتبقى صورة المشهد الانتخابي معلقة بين ما هو معلن رسمياً وما يُتداول في الكواليس.
ويأتي ذلك في وقت تتباين فيه القراءات بشأن مستقبل الانتخابات، بين من يرى أن التأجيل بات أقرب إلى الواقع، وأن النقاش انتقل من مبدأ التأجيل إلى توقيته وآلية إخراجه، وبين من يحذر من تداعيات سياسية وقانونية محتملة لتأجيلها، في حين يرى آخرون أن القيادة الفلسطينية، وتحديداً الرئيس محمود عباس، لا تزال متمسكة بإجرائها في موعدها، ما لم تفرض عوائق إسرائيلية تحول دون ذلك.
التأجيل.. قرار حُسم أم سيناريو مطروح؟
يرى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن الاتجاه الذي ساد اجتماع المجلس الثوري لحركة “فتح” كان يميل إلى تأجيل الانتخابات، رغم تأكيد البيان الختامي إجراءها في موعدها، مشيراً إلى أن النقاش، وفق تقديره، بات يدور حول توقيت التأجيل وطريقة الإعلان عنه، وما إذا كان سيجري تحديد موعد جديد في آذار/مارس المقبل، أو بعد عام أو عامين، أو ترك الموعد مفتوحاً.
ويطرح المصري عدداً من الأفكار والمخارج المحتملة للتأجيل، من بينها إعلان لجنة الانتخابات المركزية تعذر إجراء الاستحقاق بسبب عدم توافر الظروف اللازمة، بما يشمل حرية عمل اللجنة والمراقبين، وإمكانية إجراء الانتخابات في مختلف المناطق الفلسطينية، أو أن يأتي التأجيل في إطار حوار وطني قد تستضيفه القاهرة.
ويربط المصري هذا الاحتمال بجملة من الاعتبارات السياسية، بينها ما ينقله عن وجود رفض أميركي وإسرائيلي لإجراء الانتخابات، إلى جانب حسابات داخلية مرتبطة بوضع حركة “فتح” وتركيبتها الانتخابية، واحتمالات تأثير تشكيل قوائم واسعة تضم قوى وفصائل مختلفة في موازين القوى داخل المجلس التشريعي.
كما يربط المصري مبادرة الأسير مروان البرغوثي بمسار الانتخابات، معتبراً أن الاستجابة لها، وفق تصوره، تحتاج إلى وقت لتوحيد حركة “فتح”، ومعالجة ملف المفصولين، وعقد مؤتمر توحيدي، وهو ما قد يدفع عملياً نحو التأجيل.
ولا يرى المصري أن التأجيل، في حال حدوثه، ينبغي أن يكون مفتوحاً، بل يجب أن يقترن بموعد ملزم للانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن، إلى جانب حوار وطني واسع يتجاوز الفصائل ليشمل الشباب والمرأة والشتات والمجتمع المدني والشخصيات المستقلة.
مخاوف من كلفة التأجيل
في المقابل، يحذر الكاتب والمحلل السياسي يوسف كمال حسونة من أن تأجيل الانتخابات قد يترك تداعيات تتجاوز العملية الانتخابية نفسها، لتطال شرعية المؤسسات السياسية واستقرار النظام السياسي الفلسطيني.
ويقول حسونة لـ”قدس برس”، إن استمرار التأجيل يمكن أن يفاقم أزمة الشرعية الدستورية والمؤسساتية، ويعمق الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كما قد يزيد حالة الإحباط الشعبي، خصوصاً في أوساط الشباب الذين لم يشاركوا في انتخابات عامة منذ سنوات طويلة.
ويرى أن التأجيل قد يضعف كذلك الموقف الفلسطيني خارجياً، في ظل الحاجة إلى تجديد التفويض الشعبي للمؤسسات المنتخبة، وقد يوفر، بحسب تقديره، مبررات لبعض الجهات الدولية لتقليص الدعم السياسي أو المالي للسلطة الفلسطينية.
ويحذر حسونة أيضاً من أن استمرار غياب مجلس تشريعي منتخب قد تستفيد منه الحكومة الإسرائيلية في تقديم القيادة الفلسطينية أمام المجتمع الدولي باعتبارها غير منتخبة، فضلاً عن أن غياب المؤسسة التشريعية، بالتزامن مع الانقسام، يعرقل بناء قيادة وطنية موحدة قادرة على التعامل مع ملفات الاستيطان والضم والضغوط الاقتصادية.
وبالنسبة إليه، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تُختزل في كونها استحقاقاً دستورياً، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وتجديد الحياة السياسية على قاعدة المشاركة والشراكة.
الاتجاه نحو إجرائها
في الاتجاه المقابل، يرى المحامي صلاح علي موسى أن الرئيس محمود عباس حسم خياره باتجاه إجراء الانتخابات في موعدها، وأن التأجيل لن يحدث، وفق تقديره، إلا إذا وقعت “قوة قاهرة” تتمثل في اعتراض إسرائيلي مباشر مدعوم بموقف أميركي حاسم.
ويعتبر موسى في حديث خاص لـ”قدس برس” أن التأجيل قد يسمح باستمرار ترتيبات سياسية أخرى، ويضعف موقع السلطة ودعمها السياسي والمالي، كما قد يؤدي إلى تراجع ثقة الجمهور بأي مواعيد انتخابية لاحقة.
ويرى كذلك أن تأجيل الانتخابات التشريعية سيعيد فتح ملف تشكيل المجلس الوطني، وقد يقود في نهاية المطاف إلى تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
في المقابل، يعتقد موسى أن إجراء الانتخابات سيجدد الشرعية الديمقراطية، ويوحد التمثيل السياسي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ويحدد بصورة انتخابية حجم تمثيل القوى المختلفة، كما يمكن أن يفتح الطريق أمام حكومة تستند إلى إرادة شعبية وتخضع للمساءلة أمام مجلس تشريعي منتخب.
وبين هذه الرؤى الثلاث، تبدو الانتخابات الفلسطينية أمام اختبار يتجاوز موعد الاقتراع ذاته؛ إذ باتت المسألة مرتبطة بكيفية التعامل مع العوائق الإسرائيلية، ومستقبل الشرعية السياسية، وترتيب البيت الفلسطيني، وحدود التوافق الداخلي.
وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أصدر في تموز/يوليو 2026 مرسومًا يحدد موعد الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعد سنوات طويلة من تعطل الانتخابات العامة، إذ تعود آخر انتخابات تشريعية إلى عام 2006.
وتواصل لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها للاستحقاق المقرر، إذ تعمل على تحديث سجل الناخبين وإجراءات الترشح، كما تواصل أنشطتها في قطاع غزة، في وقت تتواصل فيه الترتيبات المتعلقة بالعملية الانتخابية.
وكانت الانتخابات التشريعية قد أُجّلت في نيسان/أبريل 2021، بعدما كانت مقررة في 22 أيار/مايو من العام نفسه، في ظل خلافات سياسية، إضافة إلى قضية إجراء الانتخابات في القدس، ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ انتخابات تشريعية جديدة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY