أثار الاقتحام التاسع عشر لوزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى المبارك، الاثنين الماضي، تحذيرات من انتقال العدوان الإسرائيلي على المسجد إلى مرحلة جديدة، تقوم على فرض الطقوس التوراتية تدريجيًا، بوصفها تمهيدًا لما تسميه جماعات “الهيكل” إقامة المعبد المزعوم مكان الأقصى.
واقتحم بن غفير المسجد في 31 آب/أغسطس 2026، برفقة نشطاء من “مدرسة جبل الهيكل”، وأدى طقوسًا تلمودية علنية في المنطقة الشرقية من باحاته، تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال، في اقتحامه السادس منذ بداية العام الجاري، والتاسع عشر منذ توليه منصبه.
ووفقًا للإعلام العبري، قال بن غفير للنشطاء الذين رافقوه إنه يشاركهم الاعتقاد بالحاجة إلى “البوق والتيفيلين” (لفائف الصلاة السوداء اليهودية) والاقتحام يوم السبت وصولًا لتأسيس “الهيكل”، مضيفًا أن “هذا الخلاص يتحقق بالمضي في نهج متدرج شيئًا فشيئًا”.
وتفاخر بن غفير بالتغييرات التي فرضها الاحتلال في هوية المسجد الأقصى خلال السنوات الماضية، معتبرًا أنها “لم تكن بسيطة”، بل تحققت، وفق تعبيره، بـ”حروب تلو حروب تلو حروب”.
من الطقوس إلى “الهيكل” في الوعي الإسرائيلي
وقال الباحث المختص في الشأن المقدسي زياد ابحيص، في حديث لـ”قدس برس”، إن “الأهم في تصريحات بن غفير يتمثل في نظرته إلى فرض الطقوس التوراتية داخل الأقصى باعتبارها خطوات متدرجة، تنتهي بالتأسيس للهيكل المزعوم”.
وأوضح ابحيص أن “الاحتلال استحدث خلال السنوات الماضية مسارًا موازيًا لمحاولات التقسيم الزماني والمكاني، يقوم على فرض الطقوس التوراتية بصورة متصاعدة، بما يشكل «تأسيسًا معنويًا» للهيكل، يمهّد للانتقال إلى محاولة تأسيسه ماديًا مكان المسجد الأقصى”.
وأضاف ابحيص أن “تصريحات بن غفير تكشف طبيعة المخطط الذي تعمل عليه جماعات (الهيكل) بالشراكة والتكامل مع شرطة الاحتلال، خصوصًا مع اقتراب موسم الأعياد التوراتية الطويل، الذي يتكون من أربع مناسبات ويبدأ في 12 أيلول/سبتمبر الجاري”.
البوق وفتح الأقصى يوم السبت
وحذّر ابحيص من أن “جماعات (الهيكل) تسعى إلى توظيف موسم الأعياد المقبل في اتجاهين تهويديين؛ أولهما فرض نفخ البوق داخل الأقصى تحت رعاية معلنة من شرطة الاحتلال، بعدما كان المستوطنون يمارسونه بتساهل منها ومن دون إعلان رسمي عن حمايته”.
أما الاتجاه الثاني، وفق ابحيص، فيتمثل في “المضي بمساعي فتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين أيام السبت، بما يهدف إلى تكريس هويته بوصفه “مقدسًا مشتركًا” يمارس فيه شكلان من العبادة، ويخصص يوم الجمعة للمسلمين والسبت لليهود، في خطوة جديدة نحو فرض التقسيم الزماني”.
وأشار ابحيص إلى أن “المسجد الأقصى يقف اليوم أمام “مفترق تاريخي”، موضحًا أن محطات الانكشاف الإسرائيلي السابقة كانت تستدعي ردودًا شعبية وميدانية تدفع الاحتلال إلى إبطاء مخططاته أو التراجع عنها”.
ولفت ابحيص إلى أن “الأقصى شكّل عنوانًا وشرارة لعشر محطات مواجهة منذ مجزرة المسجد عام 1990، بمعدل محطة كل ثلاثة أعوام ونصف تقريبًا، محذرًا من أن الاحتلال يعوّل على حرب الإبادة وما رافقها من قتل وترهيب لكسر هذه المعادلة وفتح الطريق أمام (الحسم الكامل)”.
تكامل سياسي وأمني
من جانبه، قال الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم، في حديث لـ”قدس برس”، إن “مسارات العدوان على الأقصى تكشف تكامل الأدوار السياسية والأمنية مع جماعات «الهيكل» المتطرفة، وهو ما يتجلى في الاقتحامات المتكررة لبن غفير، وأدائه الطقوس اليهودية العلنية، وإطلاقه تصريحات تشجع على تحقيق مزيد من الوقائع داخل المسجد”.
وأوضح إبراهيم أن “دعوات بن غفير إلى إدخال (الشوفار) وكتب الصلاة اليهودية «السيدور»، وإشارته إلى الحاجة لبناء (المعبد)، تأتي في سياق محاولة فرض مزيد من المكتسبات التهويدية داخل الأقصى”.
وأضاف إبراهيم أن “الاقتحام يحمل كذلك أبعادًا سياسية وانتخابية، في ظل اقتراب انتخابات (الكنيست) وتصاعد المنافسة بين التيارات الصهيونية المتطرفة على توظيف المسجد الأقصى في دعايتها الانتخابية، بهدف استقطاب أصوات المستوطنين”.
موجة تصعيد مرتقبة
وتوقع إبراهيم تصاعدًا مضطردًا في حجم العدوان على المسجد خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع الأعياد اليهودية والانتخابات، مشيرًا إلى أن أذرع الاحتلال ستعمل على استهداف دائرة الأوقاف الإسلامية وطواقمها، وفرض مزيد من القيود على الوجود الإسلامي في الأقصى.
وشدد الباحثان على أن التطورات المتسارعة تستدعي تحركات ميدانية وسياسية جادة للدفاع عن المسجد، مؤكدين أن مواجهة مخططات الاحتلال لا ينبغي أن تبقى مسؤولية الفلسطينيين وحدهم.
وخلص الباحثان إلى أن الرهان القائم اليوم يتمثل في ما إذا كان الاحتلال سينجح في كسر معادلة الاستجابة لنداء الأقصى، أم أنها ستتجدد رغم حرب الإبادة، مؤكدين أن “الأقصى مسؤولية كل مسلم، ومسؤولية أمة بأكملها”.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY