أثار اعتقال الصحفي والناشط علاء الريماوي الأربعاء الماضي، موجة من ردود الفعل بين ناشطين وكتاب فلسطينيين، رأوا في توقيفه استهدافًا لحالة مجتمعية مختلفة حاولت، عبر مبادرات إنسانية وتكافلية، جمع الناس حول قيم التضامن والتسامح والتخفيف من أعباء الحياة اليومية.
وبينما عبّر بعضهم عن تضامنه معه، اعتبر آخرون أن ملاحقة صاحب هذه المبادرات تفتح أسئلة أوسع حول حدود الفعل المجتمعي وقدرته على التأثير في ظل الأزمات التي يعيشها الفلسطينيون.
ويرى هؤلاء النشطاء أن مبادرة “تنازل لله” لم تقتصر على تقديم مساعدات أو معالجة أزمات فردية، وإنما أعادت إلى الواجهة صورًا من التكافل و”الفزعة” المجتمعية، وأظهرت قدرة الناس على التفاعل والمبادرة خارج الأطر التقليدية.
ومن هنا، تحوّل اعتقاله، في نظرهم، من قضية تتعلق بشخص واحد إلى مناسبة للحديث عن مجتمع يحاول، رغم الضغوط والانقسامات، استعادة قدرته على التضامن وصناعة الأمل.
الفعل المجتمعي.. مصدر قوة
وفي حديثه عن موضوع اعتقال الريماوي، قال الناشط محمود حريبات إن الاحتلال الإسرائيلي أدرك منذ عقود أن ما يواجهه المجتمع الفلسطيني لا يقتصر على أدوات المقاومة المباشرة، وإنما يمتد إلى قدرة الفلسطينيين على التكاتف وبناء أشكال من الاعتماد على الذات.
واستحضر حريبات تجربة “بيت ساحور” في بيت لحم جنوبي الضفة الغربية، خلال الانتفاضة الأولى، حين اتجه الأهالي إلى مقاطعة الحليب الإسرائيلي وتربية الأبقار لتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، معتبرًا أن ما أثار قلق الاحتلال آنذاك لم يكن وجود الأبقار بحد ذاته، وإنما ما مثلته التجربة من محاولة للانفكاك عن التبعية.
وأضاف حريبات أن مفهوم “الفزعة” الفلسطينية يمثل بدوره شكلًا من أشكال التكافل المجتمعي، وليس مجرد رد فعل عاطفي، مشيرًا إلى أن الاحتلال، وفق قراءته، تعامل في مراحل مختلفة مع شبكات التضامن المجتمعي باعتبارها جزءًا من المشهد الذي يسعى إلى تفكيكه، من خلال ملاحقة الأشخاص الذين يوفرون الحماية أو الدعم لغيرهم، إلى جانب استهداف البيئة الاجتماعية المحيطة بهم.
وربط حريبات ذلك باعتقال الصحفي علاء الريماوي، على خلفية مبادرة “تنازل لله” وغيرها من المبادرات المجتمعية التي أطلقها، معتبرًا أن ما يثير القلق، من وجهة نظره، ليس الشخص بحد ذاته، وإنما قدرته على تحريك حالة من التكافل والتضامن بين الناس.
وقال إن استخدام قوة عسكرية كبيرة خلال عملية الاعتقال، بحسب ما ظهر في المشهد، يعكس، وفق تقديره، حجم الاهتمام الذي توليه سلطات الاحتلال لما يمثله هذا النوع من الحراك المجتمعي.
وختم حريبات بالقول إن “الفعل المجتمعي” يظل، في تقديره، أحد مصادر القوة التي يمتلكها المجتمع الفلسطيني، وأن إعادة تنشيط قيم التكافل و”الفزعة” قادرة على تخفيف أعباء الناس وتعزيز قدرتهم على مواجهة الأزمات.
وصفة للغرق في الأزمات
وقالت الكاتبة الدكتورة سناء زكارنة، تعليقاً على اعتقال الريماوي، إن الرسالة التي يحملها الاعتقال، من وجهة نظرها، تتمثل في إبقاء الفلسطينيين في الضفة الغربية غارقين في الأزمات والخلافات، بعيداً عن أي حالة من التكاتف المجتمعي.
وأضافت زكارنة أن أي مبادرة تسعى إلى جمع الفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم ستواجه، بحسب تقديرها، بمحاولات للملاحقة والإفشال، معتبرة أن المبادرات التي تعزز التضامن والتكافل بين الناس تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
كان متوقعا من الريماوي
وفي تعليقه على الأصوات التي قال إنها تحرض على الحملة وتنتقدها، وجه الناشط عامر عز الدين حمدان رسالة ساخرة إلى أصحابها، قائلاً: “بحب أحكيلكم: جيبوا تنين كيلو جِنا بلدي”، في تعبير أراد من خلاله السخرية من حالة التوتر التي رافقت مواقفهم من الحملة.
وأوضح إن اعتقال الريماوي جانب السلطة، حيث جرى هذه المرة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، متمنياً أن يكون الفرج قريباً وعاجلاً له ولجميع الأسرى في سجون الاحتلال.
استهداف للمبادرات الإنسانية
وقال الناشط رائد أبو شقرة إن اعتقال الريماوي يأتي، من وجهة نظره، في سياق استهداف المبادرات الإنسانية التي أطلقها خلال الفترة الأخيرة، مشيراً إلى أن مبادراته نجحت في حشد تفاعل واسع من أبناء المجتمع.
وأوضح أبو شقرة أن الريماوي استطاع، من خلال إحدى مبادراته، تلبية احتياجات مؤسسة تُعنى بكبار السن خلال وقت قصير، من خلال توفير الطعام والشراب والمساهمة في أعمال الترميم، مضيفًا أن مبادرة “تنازل لله” حظيت أيضًا بتفاعل واسع، ووصلت قيمة المسامحات فيها، وفق ما ذكر، إلى نحو مئة مليون شيكل.
وأضاف أن اعتقال الريماوي، بحسب تقديره، لا يرتبط بجهد شخصي أو مصلحة خاصة، وإنما جاء على خلفية سعيه إلى إطلاق مبادرات تخفف من معاناة أبناء شعبه، معتبرًا أن استهداف صاحب هذه المبادرات يمثل، في نظره، استهدافًا للأفكار الإنسانية التي تسعى إلى تعزيز التكافل والتخفيف عن الناس.
إعادة للصورة جمالها
من جانبه، قال الناشط والكاتب تامر سباعنة إن علاء الريماوي أدخل الفرح والأمل إلى قلوب الآلاف، معتبرًا أن المبادرات التي أطلقها أسهمت في إعادة صورة مختلفة للمجتمع الفلسطيني.
وأضاف سباعنة أن الريماوي أعاد الصورة الجميلة لمجتمعنا المتسامح، في وقت يخيم فيه الكثير من الأزمات والظلام على المشهد الفلسطيني، مشيرًا إلى أن قيمة هذه المبادرات تكمن في قدرتها على جمع الناس حول قيم التكافل والتسامح والأمل.
يقظة مارد الوجود!
وقال المدرس والناشط أيمن رداد إن علاء الريماوي تحوّل إلى “أيقونة” وفعل فلسطيني أثار انزعاج الكثيرين، من خلال إحيائه قيم التكافل والتسامح وإعادة تسليط الضوء على قدرة المجتمع الفلسطيني على التكاتف.
وأضاف رداد أن مبادرات الريماوي “أيقظت مارد الوجود الفلسطيني”، وأكدت أن هذا المجتمع ما زال حيًا وقادرًا على الفعل والتأثير، مشيرًا إلى أن ما يميز الريماوي، في رأيه، أنه بقي فاعلًا ومبادرًا، ولم يسمح للظروف المحيطة بأن تحوّله إلى مجرد متلقٍ للأحداث.
وختم بالقول إن الريماوي سيبقى، رغم ما يواجهه، “فاعلًا مرفوع الرأس، متميزًا بإبداعه وعطائه”.
وتأتي هذه الردود عقب اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر الخميس، الصحفي والأسير المحرر علاء الريماوي، البالغ من العمر خمسين عامًا، من منزله في حي المصايف بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة.
وجاء الاعتقال بعد أقل من أسبوعين على إطلاق الريماوي مبادرة “تنازل لله”، التي دعت إلى إسقاط الديون عن المتعثرين ومسامحتهم بها، وحظيت بتفاعل واسع على المستوى الشعبي، حيث أُعلن عن إسقاط أو مسامحة ديون بلغت قيمتها أكثر من خمسة وسبعين مليون شيكل، وفق المعطيات المتداولة حول المبادرة.
وكانت المبادرة قد لفتت الأنظار إلى قدرة المبادرات المجتمعية على حشد الناس حول قيم التكافل والتسامح والتخفيف من الأعباء الاقتصادية، قبل أن يتحول اعتقال الريماوي إلى محور نقاش بين ناشطين وكتاب فلسطينيين، ركزوا في تعليقاتهم على أثر هذه المبادرات في إعادة إحياء روح التضامن داخل المجتمع الفلسطيني.
SOURCE: NATIONAL IRAQI NEWS AGENCY