في صباح السابع من أكتوبر، لم يكن اليوم عادياً في حياة المهندس علي الرنتيسي. كان يراقب المسار الذي شارك في تصميمه، وهو يتحوّل من خطوط على شاشة إلى واقع يصنع دهشة العالم، فيما ارتسمت الفرحة على وجوه الناس وهم يستعيدون صوتهم بعد سنوات من الصمت والقهر.
لكن الفرحة لم تكتمل. قبل شهرين من قدوم طفلته المنتظرة، وقد اشترى لها فساتين وردية وتنافس مع زوجته شهد على مَن ستشبه أكثر، مزّقت صواريخ الحرب في غزة أحلام الأسرة، لتتحوّل الضحكات إلى صمت أبدي.
بهذه الكلمات وصفت الكاتبة الفلسطينية ياسمين عنبر جانباً من حكاية الرنتيسي، الذي أسهم في إعداد خرائط تقدّم المقاومة خلال عملية “طوفان الأقصى”، قبل أن يُستشهد مع أفراد أسرته في حرب الإبادة.
كتاب يوثّق 100 قصة
قصة الرنتيسي واحدة من مئة قصة يضمها كتاب “الشهداء ليسوا أرقاماً”، الذي أصدرته مؤسسة “القدس الدولية” ووزّعته خلال مؤتمر “العهد للقدس” المنعقد في إسطنبول. الكتاب من تأليف ياسمين عنبر، التي أوضحت في حديث لـ”قدس برس” أنّ إعداد العمل استغرق نحو 300 يوم من الجهد المتواصل وسط القصف، بهدف “إنقاذ أسماء الضحايا من مقصلة الإحصاءات الجامدة، وتحويل الأرقام المجردة في نشرات الأخبار إلى قصص إنسانية تنبض بالحياة”.
وأضافت عنبر أنّ المشروع “ليس مجرد عمل أدبي، بل واجب أخلاقي لتوثيق حياة من حوّلت آلة الحرب أجسادهم إلى أرقام في البيانات الرسمية”، مشيرة إلى أنّ جمع المعلومات تم عبر تواصل مباشر وشاق مع عائلات الشهداء وشهود العيان لضمان دقة الرواية.
منهجية تجمع بين الصحافة والسرد الإنساني
الكتاب يعتمد على منهجية تدمج بين التوثيق الصحفي والسرد الإنساني، مسلّطاً الضوء على شرائح مختلفة استهدفها الاحتلال بشكل مباشر، عبر أربعة فصول رئيسية: “اغتيال الطفولة”: قصص أطفال غزة وأحلامهم الموءودة، وتفاصيل حياتهم الدراسية والأسرية قبل استشهادهم.
أما الفصل الثاني فقد تحدث عن “كوادر الجيش الأبيض”: وتناول يوميات الأطباء والمسعفين الذين واصلوا عملهم تحت النار، واللحظات الأخيرة لمن ارتقى منهم أثناء أداء الواجب الإنساني.
وتناول الفصل الثالث من الكتاب “عيون الحقيقة”، حيث سرد سير الصحفيين الذين استشهدوا وهم يحملون كاميراتهم لنقل ما يجري في القطاع.
وأخيرا جاء الفصل الرابع تحت اسم “إبادة العائلات”، وهو فصل خاص بالعائلات التي مُسحت بالكامل من السجل المدني الفلسطيني، ولم يتبقَ منها سوى الصور كشاهد وحيد.
وشددت عنبر على أنّ هذا الجهد “محاولة لبعث الوجوه من جديد، وترديد الحقيقة كما تصدح بها المآذن: شهداؤنا ليسوا أرقاماً”.
وانطلقت فعاليات مؤتمر “العهد للقدس” أمس السبت وتستمر اليوم الأحد في إسطنبول، عبر كلمات ومحاور ومبادرات تتناول مختلف محطات المواجهة مع الاحتلال في القدس والضفة وغزة، والبحث في سبل استعادة الأمة لإرادتها في مواجهة حرب الإبادة ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY