يرى محللون ومراقبون أن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية كشفت عن تحولات لافتة في المزاج السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة، لا تقتصر تداعياتها على إضعاف موقع الرئيس دونالد ترمب داخلياً، وإنما تمتد إلى مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، في ظل تنامي الأصوات المنتقدة لسياسات “تل أبيب” والحرب على قطاع غزة.
وتفتح هذه التحولات الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاساتها على مكانة “إسرائيل” في الحسابات السياسية الأمريكية، ومدى تأثيرها في مستقبل الدعم الأمريكي لها، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على القضية الفلسطينية والمشهد السياسي الإسرائيلي.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن التحولات التي تشهدها الخارطة السياسية الأمريكية تحمل دلالات تتجاوز نتائج الانتخابات، وتعكس بداية تغير في طبيعة العلاقة بين الناخب الأمريكي والسياسات المرتبطة بإسرائيل.
وقال بشارات، في منشور على صفحته في موقع “فيسبوك”، إن نفوذ مجموعات الضغط، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، بدأ يواجه تحديات متزايدة في التأثير على توجهات الناخبين وقراراتهم، رغم ما تمتلكه هذه المجموعات من نفوذ سياسي ومالي.
وأضاف أن “إسرائيل”، التي ظل دعمها يمثل نقطة إجماع واسعة داخل الأوساط السياسية الأمريكية، بدأت تتحول إلى عبء سياسي على بعض المرشحين، بمن فيهم الرئيس دونالد ترمب، الذي أطلق في الأيام الأخيرة مواقف وإشارات تتعلق بالدعم الأمريكي لـ”إسرائيل”، في محاولة لاستثمار تنامي الانتقادات الشعبية لبعض سياساتها واستقطاب أصوات الناخبين.
وأوضح بشارات أن من أبرز ملامح هذا التحول صعود شخصيات ديمقراطية شابة حققت اختراقات انتخابية، وتمثل شرائح متنوعة من المجتمع الأمريكي من حيث الخلفيات العرقية والدينية والثقافية، معتبراً أن الجيل الجديد من القيادات السياسية قد لا يكون امتداداً تقليدياً للمدارس السياسية السابقة، بل يحمل رؤى ومواقف مختلفة تجاه قضايا عدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والعلاقة مع “إسرائيل”.
ولفت إلى أن قضايا الشرق الأوسط لم تعد بعيدة عن اهتمامات الناخب الأمريكي أو محصورة في إطار السياسة الخارجية، بل باتت تتقاطع مع أولوياته الداخلية، بما فيها الإنفاق العام والاقتصاد والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي جعل الموقف من “إسرائيل” وسياساتها حاضراً في النقاش الانتخابي، وعنصراً مؤثراً في إعادة تشكيل الخارطة السياسية الأمريكية.
وفي السياق ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا إن الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر شكّل محطة سياسية لافتة في كل من واشنطن و”تل أبيب”، إذ وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسيهما أمام تحديات سياسية متزامنة، في ظل ما أظهرته نتائج الانتخابات من تحولات في المزاج السياسي الأمريكي، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على المشهد الإسرائيلي.
واعتبر القرا، في مقال له، أن ما يجري يتجاوز مجرد خسارة انتخابية أو تراجع في عدد المقاعد، ليطرح تساؤلات بشأن قدرة القيادات السياسية على مواصلة إدارة المرحلة وفق النهج السابق.
وأوضح أن اللافت في الانتخابات الأمريكية تحقيق شخصيات ديمقراطية سبق أن اتخذت مواقف ناقدة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مكاسب انتخابية، رغم وصف بعضها ما جرى في القطاع بأنه “إبادة جماعية”، ومطالبتها بوقف الدعم العسكري الأمريكي لـ”إسرائيل” ومحاسبتها على الانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وأضاف أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على مواقف تلك الشخصيات من إدارة ترمب، بل تمتد إلى انتقاداتها السابقة لإدارة الرئيس جو بايدن والحزب الديمقراطي بسبب تعاملهما مع الحرب على غزة، وهو ما يشير، بحسب القرا، إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف خلاف تقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، وإنما أصبحت أحد محاور الانقسام داخل الحزبين والمؤسسة السياسية الأمريكية.
وأشار إلى أن الحرب على غزة أسهمت في كشف تناقضات داخل المشهد السياسي الأمريكي، ووفرت مساحة أوسع لصعود أصوات تنتقد الدعم غير المشروط لإسرائيل وتطالب بإعادة النظر في طبيعة العلاقة معها. لكنه شدد على أن من المبكر الجزم بأن الموقف من الحرب كان العامل الحاسم في نتائج الانتخابات، وإن بات عاملاً حاضراً في تشكيل المواقف السياسية والانتخابية، ولا يمكن تجاهل تأثيره في التحولات الجارية.
من جهته، اعتبر الكاتب في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات أن خسارة مايك جونسون، أحد أبرز حلفاء ترمب والوجوه المحسوبة على التيار اليميني الإنجيلي المتشدد والداعم لـ”إسرائيل”، تمثل إحدى الدلالات السياسية المهمة للانتخابات.
وأشار فريحات، في منشور مقتضب، إلى أن جونسون كان من أبرز الشخصيات المتشددة في مواجهة الاحتجاجات الطلابية، ولا سيما المظاهرات التي شهدتها جامعة كولومبيا للمطالبة بوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تبنى مواقف حادة تجاه الحراك الطلابي الرافض للحرب.
واعتبر أن هذه النتيجة تفتح المجال أمام مراجعة مواقف جونسون وخطابه السياسي، الذي وصفه بالمتطرف والشوفيني، في ظل التحولات التي تشهدها البيئة السياسية الأمريكية والتحديات التي تواجه بعض الشخصيات اليمينية المتشددة في الاحتفاظ بمواقع النفوذ والتأثير.
أما المحاضر في جامعة حيفا بالداخل الفلسطيني المحتل، رضا جابر، فرأى أن نتائج الانتخابات الأمريكية تحمل دلالات تتجاوز حدود المشهد السياسي الأمريكي، وتعكس تحولات في مكانة إسرائيل على الساحة الدولية، ولا سيما في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، بما قد ينعكس على الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فضلاً عن تداعياته المحتملة على الواقع الفلسطيني.
وأضاف جابر أن هذه المتغيرات تستدعي من الأحزاب والقوى الفلسطينية قراءة التحولات الدولية والإقليمية، وعدم التعامل مع الواقع باعتباره حالة حصار مطبق لا تتيح أي منافذ أو احتمالات للتغيير، مشدداً على أهمية التحلي بالصبر والتأني في اتخاذ المواقف والقرارات، وعدم حصر الحسابات السياسية في المعطيات القائمة وحدها.
وأوضح أن التقديرات المتعلقة باحتمالات تشكيل حكومة أقلية أو حكومة وحدة في “إسرائيل”، وما قد يرافقها من اقتراب موعد الانتخابات، تفرض على القوى الفلسطينية أخذ هذه المتغيرات بعين الاعتبار، وتجنب التسرع في اتخاذ قرارات قد لا تنسجم مع التحولات المتسارعة في المشهدين الدولي والإسرائيلي.
وفي قراءة من زاوية الرأي العام الشعبي، قال الناشط الشبابي الغزّي مصطفى البنا إن نتائج الانتخابات الأمريكية لم تشكل مفاجأة بالنسبة إليه، بل جاءت امتداداً لتحول تدريجي في مواقف شريحة من الناخبين الأمريكيين عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، معتبراً أن تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة بدأت تنعكس على المزاج الشعبي والسياسي داخل الولايات المتحدة.
وأوضح البنا أن التصويت لصالح الديمقراطيين لا يعني بالضرورة أن جميع من منحوا أصواتهم لهم يتبنون مواقف مؤيدة لفلسطين أو معارضة لـ”إسرائيل”، إلا أن حالة السخط من إنفاق مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم “تل أبيب”، في وقت يواجه فيه المواطن الأمريكي أعباء اقتصادية ومعيشية متزايدة، تمثل قاسماً مشتركاً لدى قطاعات من الناخبين.
وأضاف أن جانباً من هذا التحول يرتبط أيضاً باستياء الناخب الأمريكي من الانخراط في حروب وصراعات خارجية يرى أنها تخدم المصالح الإسرائيلية، بينما يتحمل المواطن الأمريكي كلفتها بصورة مباشرة، سواء عبر الإنفاق الحكومي أو انعكاساتها على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، الأمر الذي جعل الدعم الأمريكي لـ”إسرائيل” موضع تساؤل متزايد داخل المجتمع الأمريكي.
وأشار البنا إلى أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أحدثت تحولاً في الرأي العام العالمي، معتبراً أن ما تعكسه نتائج الانتخابات الأمريكية قد يكون بداية لظهور تداعيات سياسية أوسع، وأن آثار الحرب على صورة إسرائيل ومكانتها في الوعي الشعبي العالمي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة.
وكانت الولايات المتحدة قد شهدت، الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي أسفرت عن مكاسب واسعة للحزب الديمقراطي واستعادته السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، منهياً بذلك هيمنة الجمهوريين على السلطة التشريعية خلال العامين الأولين من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.
وجاءت النتائج في ظل تصاعد الانتقادات لسياسات الإدارة الأمريكية، على خلفية الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب مواقفها الخارجية والحرب على إيران.
وتحمل هذه النتائج تداعيات مهمة على إدارة ترمب، إذ من شأنها الحد من قدرته على تمرير أجندته السياسية والتشريعية، ومنح الديمقراطيين مساحة أوسع لممارسة الرقابة على أدائه وفتح ملفات تتعلق بسياساته الداخلية والخارجية.
كما أعادت الانتخابات تسليط الضوء على التحولات في المزاج الشعبي الأمريكي تجاه “إسرائيل” والحرب على غزة، في ظل صعود شخصيات سياسية تنتقد الدعم العسكري غير المشروط لتل أبيب، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش السياسي الأمريكي بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل ومستقبل القضية الفلسطينية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY