Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

أحياءٌ بجراح مفتوحة… جرحى غزة شهداء على قسوة الحرب

في كل زاوية من زوايا ما تبقى من مشافي غزة، يرقد جريح يحمل قصة لا تشبه سواها، لكنه يتقاسم مع الجميع وجعًا واحدًا: لا علاج، لا معدات، لا أسرّة. الأعداد تتزايد، الأجهزة شحيحة، الكوادر منهكة، والجرحى يتكدسون؛ بعضهم بلا أطراف، وآخرون بلا صوت، ومنهم من ينتظر إجلاءً قد لا يأتي.

وجوههم مطبوعة بجرح مفتوح، وذكرياتهم معلّقة بأحلام قُطعت قبل أوانها. في ظل حربٍ تقتل وتشوّه وتمنع العلاج، تبقى آلام مرضى غزة معلّقة بين الحياة والموت، تنتظر من يضمدها، ولو بكلمة.

هنا، حيث تختلط أنين المصابين بنداءات الأطباء، يتشبث الأهالي بزوايا الممرات لحماية جرحاهم من التدافع. ترتفع الأصوات بتوسّل: “أريد سريرًا لابني، لا تتركوه على الأرض!” لكن الرد يأتي صارمًا، موجعًا: “لا أسرّة لدينا… الجميع هنا على الأرض”.

في ممر قسم الطوارئ بمستشفى الشفاء، تجلس أم رزق الداعور بجانب ابنها، وقد وضعت معطفها تحت جسده لتخفف عنه صلابة البلاط. تقول لـ “قدس برس”: “ولدي يصارع الموت على أرضية باردة، دون سرير أو علاج بسيط. منذ لحظة وصولنا، بحثت عن سرير، توسلت الأطباء والممرضين، لكنهم جميعًا أجابوا بالحقيقة المرة: لا يوجد أي سرير شاغر”.

وتضيف: “لم أكن أتخيل أن أرى ابني بين الحياة والموت وهو مستلقٍ على البلاط. أصيب في منطقة زيكيم شمال القطاع، أثناء محاولته الحصول على كيس دقيق وبعض الخبز لأسرته التي لم تذق الطعام منذ يومين. خرج ليجلب قوتنا، فعاد محمولًا على أكتاف الناس، مضرجًا بدمائه. لا ذنب له سوى أنه أراد أن يطعمنا”.

ثم تتساءل، بصوت يختلط فيه الألم بالعجز:”أليس من حق ابني أن يحصل على سرير نظيف؟ أليس من حقه أن يجد دواءً يخفف عنه؟ أشعر بالعجز وأنا أراه يحتضر أمامي على أرض المستشفى”.

وفي زاوية أخرى من ممر الطوارئ ذاته، يجثو محمد نصر على الأرض، وساقه ملفوفة بضماد غارق بالدماء. يقول لـ “قدس برس”: “أصبت برصاصة متفجرة من طائرة مسيّرة إسرائيلية، وأنا جالس أمام بيتي. ومنذ أكثر من 48 ساعة، أعاني من نزيف داخلي وألم شديد، لكنني ما زلت على الأرض، لم أحصل على سرير للعلاج”.

ويضيف: “الأطباء قالوا إن المستشفى يطبّق نظام الأولوية؛ من هو في خطر الموت يُعالج أولًا. أما أنا، فانتظر دوري… وقد يطول الانتظار”.

الممرضة ياسمين الشندغلي، التي غطت بقع الدماء ثوبها الأبيض، تقول: “لم نعد نجد مكانًا للجرحى، ولا أسرّة نعالجهم عليها. نحن مضطرون لتقديم العلاج على الأرض، في الممرات والساحات. الأعداد تفوق قدرة أي مستشفى على الاستيعاب”.

وتتابع: “حتى المستلزمات الطبية الأساسية نفدت. لا شاش كافٍ لتغطية الجروح، ولا قطن لتعقيم الدماء، ولا ضمادات لتثبيت النزيف. الأدوية قليلة جدًا، ونضطر لاستخدام قطعة قماش عادية بدلًا من الشاش”.

ثم تختم بكلمات تختصر المأساة: “أصعب ما نواجهه ليس الألم الجسدي، بل النفسي. أن ترى شابًا يحتضر أمامك لأنك لا تملك سريرًا أو دواءً تنقذ به حياته… هذه وصمة عجز لن تُمحى من ذاكرتنا أبدًا”.

وفي ظل حرب إبادة جماعية تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مطلق، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في غزة تحت وطأة النزوح القسري والدمار الشامل. ووفق إحصاءات مفتوحة، خلف العدوان حتى الآن أكثر من 62 ألف شهيد، و156 ألف إصابة، وعشرة آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة العشرات.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY