غزة .. والخيارات الصعبة !

يبدو أن الفلسطينيين في قطاع غزة قد اتخذوا قرارا لا رجعة عنه بكسر الحصار المفروض عليهم منذ 14 عاما، مهما كلفهم ذلك من ثمن غير مكترثين بالتهديدات الإسرائيلية وتشديد الحصار أكثر.

 

ورغم أن الفلسطينيين لا سيما قادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي تحكم قطاع غزة، يدركون أن هذا الخيار ليس بالسهل، إلا أنهم يجدوا أنفسهم مرغمين أمام التداعيات الكارثية لاستمرار الحصار، وأن هذه المرة لن يقبلوا بالحلول الترقيعية.

 

القيادي في حركة “حماس” إسماعيل رضوان، عبّر عن هذا التوجه بالقول: “لدينا قرارا بكسر الحصار عن قطاع غزة مهما كلفنا ذلك من ثمن، والاحتلال يتحمّل كامل المسؤولية عن تداعيات استمرار الحصار والعدوان على قطاع غزة”.

 

وأضاف في تصريحات لـ “قدس برس”: “لن نقبل بأقل من رفع الحصار على قطاع غزة، وأن يعيش أبناء شعبا الفلسطيني حياة كريمة”.

 

واعتبر رضوان استمرار الحصار الظالم على قطاع غزة “يمثل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية”.

 

وأردف بالقول: “إن استمرار الحصار وتصاعد العدوان على قطاع غزة يحّول قطاع غزة إلى قنبلة موقوتة توشك أن تنفجر، وإذا ما انفجرت ستكون في وجه الاحتلال الصهيوني”.

 

وخاطب القيادي في “حماس” الاحتلال قائلا: “إن تهديداتكم وحصاركم لن يكسر شوكة شعبنا الفلسطيني، ومن حق شعبنا أن يواجه الحصار وان يرد على العدوان.”

 

وأشار إلى أن المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان مطالبة بالعمل على رفع هذا الحصار عن قطاع غزة، داعيا الأمة العربية والإسلامية إلى ضرورة كسر هذا الحصار على قطاع غزة ودعم وصمود الشعب الفلسطيني.

 

وقال رضوان: “لولا صمت المجتمع الدولي وكذلك هرولة بعض الأنظمة للتطبيع مع الكيان الصهيوني لما تجرأ هذا الاحتلال على استمرار هذا الحصار على قطاع غزة”.

 

وأضاف: حينما أمن الاحتلال العقاب وامن الملاحقة استمرأ هذا الظلم والعدوان على شعبنا الفلسطيني”.

 

من جهته، اعتبر حسام الدجني أستاذ العلوم السياسية والكاتب والمحلل السياسي، أن خيارات الفلسطينيين في قطاع غزة تتمثل في البالونات الحارقة وإستراتيجية الاستنزاف في منطقة غلاف غزة يصاحبها بعض التنقيط لقذائف محلية هنا وهناك.

 

وقال الدجني في حديثه لـ “قدس برس”: “المشهد في قطاع غزة يتأرجح بين سيناريو المواجهة المحدودة وبين عودة العمل بالتفاهمات”، معتبرا أن “إصرار حماس على مطلب كسر الحصار بالكامل قد يعزز من توجه الذهاب نحو صفقة تبادل للأسرى كبديل عن مواجهة محدودة تسبق قبول بعض مطالب حماس، فإن تعذر إبرام صفقة تبادل، سنكون على موعد مع مواجهة محدودة”.

 

وأكد أن الرد الإسرائيلي بات ضعيفا أمام المجتمع الإسرائيلي وأن الاحتلال فشل في فرض معادلته الصاروخ مقابل البالون الحارق، مشيرا إلى أن تل أبيب رغم تهديداتها تبقي الباب مواربا للوسطاء في ظل الظروف الداخلية التي تعيشها.

 

وقال الدجني: “حصار قطاع غزة عنصر ضغط على المقاومة الفلسطينية لاستخدام كل ما بيدها من أجل كسره، فلم يعد الواقع المُعاش يحتمل، وعليه فإن المقاومة معنية بتحريك ملف الحصار”.

 

ويرى أن المقاومة ستتجنب مواجهة عسكرية محدودة أو مفتوحة، لكن تعاطي الاحتلال مع البالون كصاروخ من شأنه أن يدفع المقاومة للرد – كما جاء في بيان الغرفة المشتركة – وعليه تتدحرج الأمور نحو المواجهة.

 

وأضاف: “القبول بالواقع الراهن وهذا السيناريو أصبح الأضعف لدى الفلسطينيين في ظل زيادة في مؤشرات الفقر والبطالة وغيرها من الأزمات”.

 

من ناحيته، قال عدنان أبو عامر الخبير في الشأن الإسرائيلي: “الوضع الأمني في غزة، وعلى حدود مستوطنات غلاف غزة، يسابق الزمن لمنع اندلاع مواجهة، لا يرغب بها أحد، لكنها قد تفرض على الطرفين”.

 

وأضاف أبو عامر في حديثه لـ “قدس برس”: “صحيح أن ما يصدر من تصريحات تشاؤمية وتهديدية، قد تأتي لرفع سقف التفاوض، لكنها في الوقت ذاته قد تهيئ الأجواء الميدانية لتلك المواجهة، ومن يعلم فقد يكون الوسطاء ذاتهم بحاجة لدخول الجانبين ذلك المعترك، كي يسارعوا لطلب نجدتهم، إن اشتد أوارها.”

 

وحول رؤيته لخطورة الوضع الأمني في المستوطنات الإسرائيلية استشهد أبو عامر بما قاله الكاتب الإسرائيلي يوحاي داهان من مستوطنة “سيديروت” حينما قال: “شوارعنا الفارغة توضح خطورة الوضع الأمني فيها، أمر محبط أن تملي منظمة مسلحة معادية تفاصيل واقعنا اليومي، هذا الوضع لا يمكن، ولا يجب أن يستمر، أشعر بالإحباط والأذى والسوء بشأن حالنا، لأننا نعيش حالة من عدم اليقين التام، وهي وصفة لحياة غير صحية، والأكثر إحباطًا أن حماس، تحدد النغمة، وليس نحن، والأسوأ لنا أننا لا نعرف ماذا سيحدث غدًا، وفي اليوم التالي، فمنذ شهر من الآن، وإطلاق البالونات والصواريخ يستمر من غزة باتجاهنا، مما جعلنا نمر بأيام صعبة”.

 

أما الكاتب والمحلل السياسي أحمد الكومي، فيرى أن هنالك أربعة خيارات لدى الاحتلال الإسرائيلي.

 

واشار في تصريحات لـ “قدس برس” أن أول تلك الخيارات تتمثل برضوخ الاحتلال الإسرائيلي لمطالب المقاومة والالتزام بتنفيذ بنود التفاهمات.

 

أما ثاني تلك الخيارات بحسب الكومي، “إتباع سياسة “عض الأصابع” وتجاهل مطالب المقاومة، مع محاولة فرض معادلة اشتباك جديدة تساوى البالون بالصاروخ، واستغلال هذا النوع من الاشتباك غير المتكافئ في قضم المقدرات العسكرية في غزة، عبر الاستهداف المتكرر”.

 

والخيار الثالث يتمثل بـ “الردّ بقسوة على أساليب المقاومة الشعبية في غزة، وفرض حدود عازلة بالنار، وما يترتب على ذلك من جولة تصعيد محتملة”.

 

أما الخيار الرابع والأخير بحسب المحلل السياسي: “تنفيذ تهديداته وإعادة سياسة الاغتيالات، التي تعني قرارا بخوض جولة قتال كبيرة والعودة بالأمور إلى نقطة الصفر”، مشيرا إلى أن هذا الخيار ليس في صالحه.

 

وشدد على أن هذه الخيارات، تؤكد بأن إصرار المقاومة أوقع الاحتلال في حيرة كبيرة وأوصلته إلى نتيجة ان الفشل سيكون مصيره في هذه المواجهة.

 

ويسود قطاع غزة، منذ نحو أسبوعين، حالة من التوتر الأمني والميداني، حيث يقصف الجيش الإسرائيلي بشكل شبه يومي، أهدافاً يقول إنها تتبع لحركة “حماس”، رداً منه على إطلاق البالونات الحارقة.

 

ويقول مطلقو البالونات إنهم يستخدمونها، بهدف إجبار إسرائيل على تخفيف الحصار عن قطاع غزة المفروض منذ عام 2007، والذي تسبب في تردي الأوضاع المعيشية للسكان.

 

وتتخذ السلطات الإسرائيلية تدريجياً إجراءات عقابية مُشددة بحق قطاع غزة.

 

ومنذ نحو أسبوع، تمنع سلطات الاحتلال، إدخال مواد البناء والوقود لقطاع غزة عبر معبر “كرم أبو سالم”، كما تُغلق البحر أمام الصيادين.

 

وأعلنت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة إطفاء مولداتها بشكل كامل، جراء منع الاحتلال الإسرائيلي، إدخال الوقود اللازم لتشغيلها، ما تسبب بانقطاع الكهرباء عن أهالي غزة بشكل مستمر لأكثر من 20 ساعة يومياً.

 

ويعيش قطاع غزة أزمة كهرباء كبيرة، حيث يصل التيار 8 ساعات لكل منزل يوميًا؛ وفق ما يعرف بنظام (8 ساعات وصل و8 ساعة قطع)، وفي ظل توقف المحطة فانه سيصلهم من 3 الى 4 ساعات يوميا ثم يفضل عنهم 16 ساعة.

 

وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حصارا مشددا على قطاع غزة، البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، منذ فوز حركة “حماس” في الانتخابات التشريعية، في كانون ثاني/يناير 2006.

 

وتسبب الحصار بزيادة كبيرة في معدلات الفقر والبطالة علاوة على إضعاف القطاع الصحي بشكل كبير، بحيث يعاني بشكل متواصل من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، حسب بيانات رسمية.

 

Source: Quds Press International News Agency