“الاتصال الأخير”.. من مخيم اليرموك إلى “الموت” في غابات أوروبا

“يا إمي أنا موجوع وعم بموت.. أمانة ارضي عني”.. كانت تلك آخر ما سمعته والدة اللاجئ الفلسطيني، محمد منير ريان؛ ابن مخيم اليرموك، جنوبي العاصمة السورية دمشق، قبل أن ينقطع الاتصال و”تغرق” العائلة بحالة من القلق، بينما كان “نجلها” يلفظ أنفاسه الأخيرة في غابات اليونان وحيداً.

 

“قدس برس” تواصلت مع العائلة المكلومة في مدينة قدسيا بريف دمشق، وسردت “رنيم” شقيقة “محمد” شريط ذكرياتها مع أخيها، وعن الأسباب التي دفعته للمجازفة بحياته في الرحيل، عبر طرق “الهجرة الممنوعة”.

 

تقول رنيم: “بعد نزوحنا من مخيم اليرموك (أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني) إلى مدينة قدسيا بريف دمشق، أكمل محمد دراسته، وما إن أنهى مرحلة البكالوريا، حتى بدأ يلح بفكرة الهجرة إلى أوروبا، لغايات العمل”.

 

وأضافت “بعد أخذ ورد ونقاشات كثيرة، أقنع أمي وأخي بقرار الهجرة، وسافر أولاً، مع جده، إلى تركيا، وبقي فيها سنة تقريباً، عمل بورشات دهان، وكان يرسل بعض الأموال، ليساعد في مصاريف البيت”.

 

القلب في دمشق والعين على ألمانيا

 

بعد استشارة أصدقائه ومعارفه ممن وصل إلى أوروبا، استقر رأي “محمد” على ألمانيا، لتكون محطته التالية، التي يحلم بالوصول إليها، وكان في كل اتصال مع أمي، يعدها بأنه سيحضرها مع إخوته، ويمازحها، قائلاً “بدي أفَتْلِكْ ألمانيا كلها(سأجول بك في ألمانيا كلها)، لقد كان شديد التعلق بها”.. تقول رنيم.

 

في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، ودّع “محمد” جده في تركيا، وانطلق مع رفاقه في رحلة محفوفة بالمخاطر اتجاه الأراضي اليونانية، قبل أن يعبر نهر “إيفروس”، (الحدود البرية الوحيدة بين البلدين)، ويُعرف بـ”النهر القاتل” بسبب التيارات الخطيرة فيه، والتي تسببت في سلب حياة المئات من المهاجرين، خلال محاولتهم اجتياز النهر سباحة أو عبر قوارب صغيرة.

 

الاتصال الأخير

 

في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، “ينال التعب والإرهاق من محمد حتى خارت قواه، فيعجز عن متابعة الطريق مع رفاقه، فيقرر العودة، بينما يكمل الآخرون طريقهم، إلا أن حاله لم يسعفه، ويشعر بأن حياته في خطر، يتصل بأمه يرجو رضاها، وأن تدعو له”، وفق ما تروي “رنيم”.

 

تنقل “رنيم” آخر كلماته مع أمه في الاتصال الأخير في ذلك اليوم: “أمي.. أنا ما عاد أتحمل موجوع كتير من بطني، ورجليّ ما عم (لسن قادرا) حركهن بدي (أريد) سلم حالي أنا عم بموت ادعيلي منشان الله وارضي عليّ”.

 

تقول رنيم: “ثم تكلم معي وأخي نور الدين، وطلب أن ندعو له وأن ترضى أمي عنه.. كان همه رضا أمي”.

 

“ينقطع الاتصال وتعيش العائلة حالة من الهلع والخوف على حياة محمد، ونتصل بخاله المقيم في السويد، ويبدأ التواصل مع سفارتي فلسطين في دمشق وأنقرة، ويتم توكيل محامية يونانية للبحث عنه”، وفق رنيم.

 

يقول محمود ريان، خال الفقيد، لـ”قدس برس” إنه “وبعد ثلاثة أيام، عثر رجل يوناني على محمد جثة هامدة، فنقله إلى أحد المشافي اليونانية، في 21 من الشهر نفسه”.

 

ونوه إلى أن “محمد” كان يتعالج في سورية، جراء مشاكل في القولون قبل سفره إلى تركيا، ويبدو أن المرض داهمه في طريق الهجرة، دون أن يتمكن من أخذ العلاج اللازم، ناهيك عن حالة الإرهاق بسبب المشي لمسافات طويلة.

 

ويقول ريان: “تم دفن محمد في مدينة كومنتيني يوم الثلاثاء الماضي، في مقبرة إسلامية”.

 

“محمد” ليس الأول ولن يكون الأخير

 

يشار إلى أن اللاجئ الفلسطيني، لؤي رحمة، لقي مصرعه، الخميس الماضي، بحادث سير أثناء محاولته الوصول إلى مدينة سالونيك اليونانية، برفقة شبان فلسطينيين.

 

وفي الثامن من الشهر الجاري توفيت اللاجئة الفلسطينية رجاء حسن (40 عاماً) ابنة مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين بمدينة حلب، أثناء محاولتها الهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية عن طريق بيلاروسيا وبولندا.

 

وذكر أحد اللاجئين الفلسطينيين المرافقين للمتوفاة لـ”مجموعة العمل الفلسطيني”، تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، أنه “وبعد وصولها إلى الأراضي البيلاروسية، شعرت بوعكة صحية، نتيجة التعب والإعياء والبرد القارس الذي تعرضت له، ما تسبب بوفاتها”.

 

ورغم هذه الحوادث المؤلمة لا يزال المئات من فلسطينيي سورية، يحاولون الهجرة إلى أوروبا، عبر اليونان أو بيلاروسيا، معرضين حياتهم للخطر نتيجة التقلبات الجوية ومصاعب الطريق، وتعرض الكثيرين منهم لعمليات النصب والابتزاز.

 

Source: Quds Press International News Agency