إسماعيل أبو شنب .. حقن دماء الفلسطينيين في حياته وبعد استشهاده

لم يكن المهندس إسماعيل أبو شنب القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” والذي اغتالته الدولة العبرية، في مثل هذا اليوم 21 آب/ أغسطس من عام 2003؛ قياديا سياسيا بارزا فحسب، بل كان نقابيا وأكاديميا واجتماعيا بارزا، تتفق عليه كافة الفصائل الفلسطينية.

 

تمكن أبو شنب، بحنكته السياسية ورؤيته الثاقبة من حماية الشعب الفلسطيني في حياته وفي اغتياله، فيوم استشهاده كان يفترض أن يكون يوما للتصادم بين السلطة الفلسطينية وحركة “حماس” آنذاك، على خلفية إطلاق الصواريخ؛ واضعا روحه على كفه رغم تهديد الاحتلال، يجوب قطاع غزة من شماله لجنوبه لنزع فتيل التصادم، إلى أن استهدفته صواريخ الطائرات الإسرائيلية في شارع “الصناعة” غربي مدينة غزة، ليرتقي واثنين من مرافقيه شهداء، ويحقن بدمه نار الفتنة بين الفلسطينيين.

 

كان أبو شنب الذي ولد في عام 1950 في مخيم “النصيرات” للاجئين الفلسطينيين (وسط قطاع غزة)، بعد أن لجئت عائلته إليه اثر ترحليها من قرية “الجية” القريبة من عسقلان (جنوب فلسطين المحتلة عام 1948)؛ أحد أهم القيادات التاريخية في حركة “حماس”، ومن رواد العمل النقابي الهندسي في قطاع غزة، حيث يُعد من مؤسسي جمعية المهندسين وكان عضواً في مجلس إدارتها ثم أنتخب رئيساً لها عدة مرات.

 

عاش أبو شنب طفولته كباقي السواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني الذين هجروا من ديارهم وأراضيهم بعد النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948، وكان الفقر والجوع والحرمان هو القاسم المشترك الذي يجمعهم في مخيمات اللجوء.

 

درس المرحلة الابتدائية في مدرسة “النصيرات” التابعة لوكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين “اونروا”، وبعد وفاة والده كان إسماعيل أكبر إخوته سناً، انتقلت مع أسرته للعيش في مخيم “الشاطئ” للاجئين (غربي مدينة غزة)، لوجود معظم أقاربه هناك، حيث أكمل دراسته الإعدادية في مدرسة “غزة” الجديدة عام 1965، ومن ثم التحق بمدرسة “فلسطين” الثانوية وكان من الطلاب المتفوقين فيها.

 

عندما وقعت حرب عام 1967، كان أبو شنب في الصف الثاني الثانوي، حيث أنهى دراسته الثانوية عام 1968. التحق بعدها في معهد المعلمين في مدينة رام الله ليدرس اللغة الإنجليزية، الَّا أنه ترك الدراسة في المعهد، حيث كان طموحه أكبر من ذلك والتحق بالمعهد العالي “شبين الكوم” بمحافظة المنصورة في مصر لدراسة الهندسة، والذي تحول فيما بعد ليصبح كلية الهندسة بجامعة المنصورة.

 

تخرج من كلية الهندسة في جامعة المنصورة عام 1975، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف وكان الأول على دفعته ليعود إلى قطاع غزة حيث عمل مهندسا في بلدية غزة لمدة خمس سنوات.

 

عرف عن أبو شنب خلال عمله في بلدية غزة – وهي كبرى بلديات القطاع – أنه مهندساً مميزاً سواء في الناحية الأخلاقية أو المهنية ويشهد بذلك الكثير ممن عرفوه أو عايشوه.

 

عندما افتتحت جامعة “النجاح” فرع للهندسة فيها أعلنت عن توفير بعثات دراسية للهندسة شريطة العودة للعمل فيها كمدرسين، حيث قُبل المهندس أبو شنب بعد أن استقال من بلدية غزة، وبعدا سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل بعدها على شهادة الماجستير في هندسة الإنشاءات من جامعة (كالورادو) عام 1982.

 

عاد بعدها أبو شنب للعمل في جامعة النجاح حين عين قائماً بأعمال رئيس قسم الهندسة المدنية عام 1983 – 1984، وظل يدّرس في الجامعة لحين تم إغلاقها من قبل سلطات الاحتلال مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987.

 

عمل أبو شنب بعد ذلك وتحديدا في عام 1988، مهندساً بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين في قطاع غزة وظل يمارس عمله حتى اعتقاله في شهر أيار/ مايو 1989.

 

كان أبو شنب من مؤسسي جمعية المهندسين الفلسطينيين في قطاع غزة عام 1976، وكان عضواً في مجلس إدارتها عام 1978 وحتى عام 1980، ثم أنتخب رئيساً لمجلس إدارتها ونقيباً للمهندسين في نفس العام، حيث ترك هذا المنصب لسفره للدراسة في الولايات المتحدة.

 

كان لأبي شنب دوراً بارزاً في الحركة الطلابية والنقابية في الجامعة حيث كان عضواً مؤسساً للجمعية الإسلامية بغزة بعام 1978، والتي واكبت ظهور “جمعية المجمع الإسلامي” والذي كان له دور رئيس في استقطاب الشباب الفلسطيني.

 

وساهم في تطوير الجامعة الإسلامية حيث عمل محاضرا فيها لا سيما كلية الهندسة.

 

تأثر أبو شنب بالشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة “حماس” منذ كان صغيراً، حيث كان يقطن في نفس مخيم “الشاطئ” الذي يقطنه الشيخ ياسين، ليبدأ ارتباطه بحركة الإخوان المسلمين منذ أن كان طالباً في الثانوية العامة بمخيم الشاطئ.

 

وسمحت له سنوات الدراسة في مصر أن يلتقي بقيادات تاريخية وكوادر من حركة الإخوان المسلمين هناك.

 

شغل أبو شنب العديد من المواقع القيادية السياسية والإعلامية خلال سنوات الانتفاضة الأولى، وبرز أسمه كأحد أبرز القادة السياسيين لحركة حماس والمتحدث الرسمي باسمها في وسائل الإعلام الغربية والعربية، نظراً لقدرته على الحديث باللغة الإنجليزية، فغالباً ما كان يُدلي بالتصريحات للصحف والمجلات ووكالات الأنباء الأجنبية، ويعتبر كذلك رجل العلاقات العامة الذي طالما رحب بالوفود الأجنبية التي كانت تتوافد على مقار حركة “حماس” في غزة لإجراء حوارات مع قياداتها وكان ممثل الحركة في لجنة القوى الوطنية والإسلامية.

 

أعتقل أبو شنب في شهر ايار/ مايو 1989م في الضربة الأولى لحركة حماس وبقى في السجن حتى تم الإفراج عنه بتاريخ 2/4/1997م، وذلك لدوره في قيادة انتفاضة الحجارة.

 

يعتبر أبو شنب من القلائل الذين وفقوا للجمع بين إبداعهم في مجال تخصصهم، وبروزهم ومشاركتهم الواضحة في الحياة العامة، وحمل هموم الأهل والوطن، وكان صمام أمام على الساحة الفلسطينية، لما يتمتع به من أخلاقيات عالية، ومهارات إدارية متميزة، ووعي سياسي ملحوظ، وصداقة للإخوة في مختلف الفصائل الفلسطينية، كذلك كانت له حظوة ومكانة عالية لدى الشيخ ياسين.

 

لعب دورا بارزا مع لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية لصياغة وثيقة الوفاق الوطني عام 2001 برفقة اللجنة.

 

ويتذكر الفلسطينيون بعد 17 عاما من اغتيال أبو شنب، صاحب المواقف الوطنية والأيادي البيضاء، ونقطة الوصل بين عموم الفلسطينيين، أعماله التي أفنى حياته خدمة للقضية الفلسطينية، ومواقفه الوطنية التي خطها بدمائه حقنا لدماء الفلسطينيين وتفويت فرصة الانقسام والاقتتال على المحتلين.

 

Source: Quds Press International News Agency