“أدب السجون”.. قصاصات تخرج من عتمة الزنازين لتضيء طريق الحرية

في الوقت الذي تواصل فيه مصلحة سجون الاحتلال قمعها للأسرى في السجون، فإن الأسرى لا يتوقفون عن إصدارتهم الأدبية، ويخرجونها من داخل عتمة الزنازين لترى النور، وتضيء طريق الحرية.

 

مئات الإصدارات خرجت من سجون الاحتلال لمعتقلين، منها ما رأى النور وتم طباعته، ومنها ما بقي حبيس الأدراج ولم يجد من يطبعه، في ظاهرة أدبية وثقافية تسمى “أدب السجون”.

 

ولعل كتاب الأسير حسام شاهين “رسائل إلى قمر”، آخر ما خرج من السجن، وتم طباعته مؤخرا ووزع، وهو يتضمن 70 رسالة كتبها الأسير شاهين الذي يقبع في السجن منذ 15 عاما.

 

الخبير والمختص في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة، أوضح أن هناك مئات الإصدارات تخرج من داخل السجون، وهي نتاج عمل المعتقلين سواء روايات أو كتب أو رسائل ماجستير أو مؤلفات، وهذه ما يطلق عليها “أدب السجون”.

 

وقال فروانة لـ “قدس برس”: ” إن بعض هذه الإصدارات التي خرجت من السجون طبعت ورأت النور، وبعضها الآخر لم يخرج من السجن، وهناك أعمال خرجت، لكنها لم تطبع، وظلت على ورق”.

 

وأضاف: “هذا يحتاج لتجميع عمل الحركة الأسيرة في مكتبة كبيرة، وطباعة ما يلزم، لأن هذه الأعمال تحكي قصة آلاف الأسرى، وما وضعوه من أفكار في هذه القصاصات بحاجة لجمع لأرشفة أدب السجون”.

 

وأشار فروانة إلى أن معظم إصدارات الأسرى تركز على الجانب الأدبي، وتحكي ما يجول بخاطرهم سواء كتابات أو أعمال حرفية ومشغولات اليدوية.

 

واعتبر أن هذه الإصدارات هي جزء العملية الثقافية والتعليمية داخل السجون، التي لم تتوقف رغم محاولة الاحتلال معها ومرورها بمراحل عدة، وتطورت بفعل نضالات وتضحيات الأسرى، إلا أنها لم ترتقِ إلى نيل كامل الحق من إدارة السجن.

 

وتطرق فروانة إلى بدايات الاعتقال، وكيف فكر الأسرى في الكتابة رغم صعوبة الأمر؛ لمنع الأقلام والأوراق عنهم.

 

وقال: “في السنوات الأولى التي تلت احتلال عام 1967، لجأ الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون إلى تهريب الأقلام، والكتابة على علب السجائر والأوراق الفضية الرقيقة التي تغلف السجائر، والعلب الكرتونية لمعجون الأسنان وصابون الحلاقة، فضلاً عما كان يقع بين أيديهم من كراتين وقصاصات ورق، وغيرها مما يصلح الكتابة عليها وتدوير المعلومات بشكل سري فيما بينهم، فيما كانت إدارة السجون تجري تفتيشات مفاجئة وتصادر ما يقع بين أيدي السجانين من أقلام وهي نادرة، وأوراق شحيحة، وتعاقب كل من تجد لديه قلماً أو ورقة كتب عليها”.

 

وأضاف:”في وقت لاحق تمكَّن الأسرى وعبر المطالبات المستمرة، والاحتجاجات المتكررة، والإضرابات عن الطعام، من انتزاع حقهم في امتلاك القلم والدفتر والأدوات القرطاسية وإدخال الكتب التعليمية، وتبعها انتزاع حقهم في الاجتماعات بين جدران غرفهم، وأحياناً على نطاق أوسع في ساحة الفورة، وعقد مناظرات ودورات تعليمية مختلفة في شتى الميادين، الأمر الذي شكّل أساساً لبناء عملية ثقافية وتعليمية بشكل منظم داخل سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي”.

 

وتابع: “سرعان ما أدركت مصلحة السجون أهمية ما تحقق بالنسبة للأسرى، وخطورته على توجهاتها واستراتيجيتها، لكنها وقفت مكتوفة الأيدي، عاجزة عن مصادرته أمام وحدة الأسرى ونضالاتهم وإرادتهم القوية وإصرارهم على الحفاظ على ما تحقق، فيما نجحت بالمقابل في التضييق عليهم، وانتقلت من مرحلة منع القلم والورق إلى محاربة المادة المكتوبة، في محاولة منها لإفراغ ما تحقق من مضمونه، ووضعت قيوداً عديدة، وبدأت بتحديد كمية الدفاتر ونوعية الكتب المسموح بإدخالها ومراقبتها والمماطلة في إيصالها، واقتحام الغرف وإجراء التفتيشات المفاجئة ومصادرة بعض الكتب التي سُمح بإدخالها، والمادة المكتوبة على الأوراق وصفحات الدفاتر، وإتلافها، ومنعت الجلسات والتجمعات الثقافية في بعض الغرف متذرعة بحجج مختلفة”.

 

من جهته قال الأديب الفلسطيني محمود شقير على صفحته على “فيس بوك”: “ليس من السهل ممارسة الكتابة الإبداعية من دون نبض الحياة اليومية، ومن دون التفاعل مع هذا النبض”.

 

وأشاد بالكتابات الإبداعية التي تخرج من داخل السجون من الاسرى، معددا أسماء بعض الأسرى مثل: حسام شاهين، وباسم خندقجي، وخضر محجز ووليد دقة وسائد سلامة وعائشة عودة وعصمت منصور وغيرهم.

 

وقال شقير: “لعلنا نلاحظ أن مادة الكتابة تتمّ إما اعتمادًا على الذاكرة التي تستدعي وقائع وتفاصيل عايشها الأسير وهو خارج السجن؛ وإما اعتمادًا على التاريخ أو على قراءات الأسير داخل السجن؛ وقيامه بالتناص مع هذه القراءات”.

 

وأضاف: “تشكل المعاناة داخل السجن وقهر السجان، وتبادل الخبرات والتجارب بين الأسرى أنفسهم؛ وزيارات الأهل ومتابعة نضالات الشعب وأحوال الناس في الخارج مادة للكتابة”.

 

واعتبر شقير أن رتابة الحياة داخل السجن وتشابه الأيام والشهور لا تشكل أي حافز للإبداع، “وهنا تتجلّى قدرات المبدعين من الأسرى حيث يصبح الإبداع نفسه عنصرًا من عناصر تحدّي السجن والسجان، وكذلك التشبث بالحياة والأمل في المستقبل”.

 

وأشار إلى أن الكتابات الفكرية والسياسية التي مارسها ويمارسها أسرى من أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات وأحمد قطامش أكثر طواعية من الكتابات الإبداعية؛ لأنها تعتمد في الأساس على المخزون الفكري والسياسي للأسير وليس على المعاناة من السجن والسجان؛ وبالطبع دون ان يجدوا صعوبة في التعبير من خلال اليوميات او السير الذاتية عن المعاناة داخل السجون.

 

أما الأسير المحرر والأديب حسن عبادي صاحب مبادرة “كتاب لكل أسير” فقال على صفحته على “فيس بوك”: “يُعنى أدب السجون الكلاسيكي بتصوير الحياة خلف القضبان وخارجها، كما يناقش الظلم الذي يتعرّض له السجناء، والأسباب التي أودت بهم إلى السجن، حيث يقوم السجناء أنفسهم بتدوين يوميّاتهم وتوثيق كل ما مرّوا به من أحداث بشعة داخل السجن، فهو إن صحّ التعبير، رواية السيرة الذاتيّة، يهتم بوصف وتوثيق التعذيب والمعاناة وكشف البشاعة من وحدة ورعب وزنازين انفراديّة موحشة، وتعذيب نفسيّ وجسديّ وغيرها”.

 

وأضاف: “جاء أسرانا الفلسطينيّون ليشرّعوا الباب والتعريف، ليصبح أدب السجون الحداثيّ هو الأدب الجميل الذي يُكتَب خلف القضبان، بغضّ النظر عن موضوعاته ومضامينه”.

 

وتساءل عبادي حول تعريف أدب السجون – هل هو أدب كتبه سجناء؟ أم أبطاله سجناء؟ أم عالم السجن محوره وموضوعه ومادّته؟

 

ودعا إلى ضرورة جمع كتابات الاسرى بشتى الطرق من اجل نشر ما بداخلهم.

 

وقال: “لكل أسير قصّة، والقصص العظيمة لم تُحكى بعد، وهناك ضرورة ملحّة لتوثيق قصص أسرانا، ويشكّل الكتاب الهامّ لبنة ضروريّة في فسيفساء لم يكتمل”.

 

Source: Quds Press International News Agency